فهرس الكتاب
على عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: 1] ، وقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ} [سبأ: 28] ويوضح هذا أنه تعالى بين في سورة «آل عمران» : أنه أخذ على جميع النَّبيين الميثاق المؤكد أنهم إن جاءهم نبينا صلى الله عليه وسلم مصدقًا لما معهم أن يؤمنوا به وينصوره، وذلك في قوله: {وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي قالوا أَقْرَرْنَا قَالَ فاشهدوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِّنَ الشاهدين فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك فأولئك هُمُ الفاسقون} [آل عمران: 81 - 82] .
وهذه الآية الكريمة على القول بأن المراد بالرسول فيها نبينا صلى الله عليه وسلم، كما قاله ابن العباس وغيره - فالأمر واضح. وعلى أنها عامة فهو صلى الله عليه وسلم يدخل في عمومها دخولًا أوليًا. فلو كان الخضر حيًا في زمنه لجاءه ونصره وقاتل تحت رايته. ومما يوضح أنه لا يدركه نبي إلا اتبعه ما رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة والبزار من حديثث جابر رضي الله عنه: أن عمر رضي الله عنه أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم بكتاب اصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه فغضب وقال: «لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، او بباطل فتصدقوا به. والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني» اه قال ابن حجر في الفتح: ورجاله موثوقون، إلا أن في مجالد ضعفًا. وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تاريخه بعد أن ساق آية «آل عمران» المذكورة آنفًا مستدلا بها على أن الخضر لو كان حيًا لجاء النَّبي صلى الله عليه وسلم ونصره - ما نصه: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما بعث الله نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذها على أمته الميثاق لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهم أحياء ليؤمنن به وينصرونه - ذكره البخاري عنه اه.
فالخضر إن كان نبيًا أو وليًا فقد دخل في هذا الميثاق. فو كان حيًا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه، يؤمن بما أنزل الله عليه، وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه. لأنه إن كان وليًا فالصديق أفضل منه. وإن كان نبيًا فموسى أفضل منه.
وقد روى الإمام أحمد في مسنده: حدثنا شريح بن النعمان، حدثنا هشيم أنبأنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني» وهذا الذي يقطع به ويعلم م الدين علو الضرورة. .
وقد دلت هذه الآية الكريمة: أن الأنبياء كلهم لو فرض أنهم أحياء مكلفوه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكانوا كلهم أتباعًا له وتحت أوامره، وفي عموم شرعه. كما صلوات الله وسلامه عليه لما اجتمع بهم الإسراء رفع فوقهم كلهم، ولما هبطوا معه إلى بيت المقدس وحانت الصلاة أمره جبريل عن أمر الله أن يؤمهم. فصلى بهم في محل ولايتهم ودار إقامتهم. فدل على أنه الإمام الأعظم، والرسول الخاتم المبجل المقدم - صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجميعن.
فإذا علم هذا، وهو معلوم عند كل مؤمن - علم أنه لو كان الخضر حيًا لكان من جملة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وممن يقتدى بشرعه لا يسعه إلا ذلك. هذا عيسى ابن مريم عليه