الصفحة 114 من 119

السلام إذا نزل في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة، لا يخرج منها ولا يحيد عنها، وهو أحد أولي العزم الخمسة المرسلين، وخاتم أنبياء بني اسرائيل. والمعلوم أن الخضر لم ينقل بسند صحيح ولا حسن تسكن النفس إليه - أنه اجتمع برسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم واحد، ولم يشهد معه قتالًا في مشهد من المشاهد. وهذا يوم بدر يقول الصادق المصدوق فيما دعا به ربه عز وجل واستنصره واستفتحه على من كفره: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تبعد بعدها في الأرض» وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ، وسادة الملائكة حتى جبريل عليه السلام. كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له في بيت يقال بأنه أفخر بيت قالته العرب:

وببئر بدر إذ يرد وجوههم ... جبريل تحت لوائنا ومحمد

فلو كان الخضر حيًا لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته، وأعظم غزواته. قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفرء الحنبلي: سئل بعض أصحابنا عن الخضر ها مات؟ فقال: نعم. قال: وبلغني مثل هذا عن أبي طاهر بن العبادي قال: وكان يحتج بانه لو كان حيًا لجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - نقله ابن الجوزي في العجالة. فإن قبل: فهل يقال إنه كان حاضرًا في هذه المواطن كلها ولك لم يكم أحد يراه؟ فالجواب أن الأصل عدم هذا الاحتمال البعيد الذي يلزم منه تخصيص العمومات بمجرد التوهمات. ثم ما الحامل له على هذه الاختفاء؟ وظهوره أعظم لأجره، وأعلى في مرتبته، وأظهر لمعجزته. ثم لو كان باقيًا بعده لكان تبليغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحاديث النبوية، والآيات القرآنية، وإنكاره لما وقع من الأحاديث المكذوبة، والروايات المقلوبة، والآراء البدعية، والأهواء العصبية، وقتاله مع المسلمين في غزواتهم، وشهوده جمعهم وجماعاتهم، ونفعه إياهم، و دفعه الضرر عنهم مما شواهم، وتسديده العلماء والحكام، وتقريره الأدلة والأحكام - أفضل مما يقال من كونه في الأمصار، وجوبه الفيافي والأقطار، واجتماعه بعباد لا تعرف أحوال كثير منهم، وجعله كالنقيب المترجم عنهم؟!

وهذا الذي ذكرته لا يتوقف أحد فيه بعد التفهم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيمز انتهى من البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله تعالى.

فتحصل أن الأحاديث المرفوعة التي تدل على وجود الخضر حيًا باقيًا لم يثبت منها شيء. وأنه قد دلت الأدلة المذكورة على وفاته، كما قدمنا إيضاحه.

وممن بين ضعف الأحايث الدالة على حيان الخضر، وبقائه - ابن كثير في تاريخه وتفسيره. وبين كثيرًا من أوجه ضعفها ابن حجر في الأصابة. وقال ابن كثير في البداية والنهاية بعد أن ساق الأحاديث والحكايات الواردة في حياة الخضر: وهذه الروايات والحكايات هي عمدة من ذهب إلى حياته إلى اليوم. وكل من الأحاديث المرفوعة ضعيفة جدًا، لا تقوم بمثلها حجة في الدين.

والحكايات لا يخلو أكثرها من ضعف في الإسناد. وقصاراها أنها صحيحة غلى من ليس بمعصوم من صحابي أو غيره. لأه يجوز عليه الخطأ (والله أعلم) ، إلى أن قال رحمه الله: وقد تصدى الشيخ أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله في كتابه (عجلة المنتظر في شرح حالة الخضر) للأحاديث الواردة في ذلك المرفوعات - فبين أنها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت