وقال محمد بن سعد كاتب الواقدي: أنبأنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه قال: أول نبي بعث إدريس، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم إسماعيل وإسحاق، ثم يعقوب، ثم يوسف، ثم لوط، ثم هود، ثم صالح، ثم شعيب، ثم موسى وهارون ابنا عمران، ثم إلياس التشبي بن العازر بن هارون بن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. هكذا قال وفي هذا الترتيب نظر.
وقال مكحول عن كعب: أربعة أنبياء أحياء: اثنان في الأرض، إلياس والخضر، واثنان في السماء: إدريس وعيسى عليهما السلام، وقد قدمنا قول من ذكر أن إلياس والخضر يجتمعان في كل عام، في شهر رمضان ببيت المقدس، وأنهما يحجان كل سنة، ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى مثلها من العام المقبل. وأوردنا الحديث الذي فيه: أنهما يجتمعان بعرفات كل سنة. وبينا أنه لم يصح شيء من ذلك، وأن الذي يقوم عليه الدليل: أن الخضر مات، وكذلك إلياس عليهما السلام.
وما ذكره وهب بن منبه، وغيره: أنه لما دعا ربه عز وجل أن يقبضه إليه لما كذبوه وآذوه، فجاءته دابة لونها لون النار، فركبها وجعل الله له ريشًا، وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، وصار ملكيًا بشريًا، سماويًا أرضيًا، وأوصى إلى اليسع بن أخطوب، ففي هذا نظر، وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، بل الظاهر أن صحتها بعيدة، والله أعلم.
فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو أحمد بن سعيد المعداني ببخارى، حدثنا عبد الله بن محمود، حدثنا عبدان بن سنان، حدثني أحمد بن عبد الله البرقي، حدثنا يزيد بن يزيد البلوي، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي، عن مكحول، عن أنس بن مالك قال:
كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزلنا منزلا فإذا رجل في الوادي يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، المرحومة المغفورة المثاب لها، قال فأشرفت على الوادي، فإذا رجل طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع، فقال لي: من أنت؟
فقلت: أنس بن مالك، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فأين هو؟
قلت: هو ذا يسمع كلامك.
قال: فأته فأقرئه السلام، وقل له: أخوك إلياس يقرئك السلام
قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فجاء حتى لقيه فعانقه وسلم، ثم قعدا يتحادثان، فقال له: يا رسول الله إني ما آكل في سنة إلا يومًا، وهذا يوم فطري فآكل أنا وأنت.
قال: فنزلت عليهما مائدة من السماء، عليها خبز وحوت وكرفس، فأكلا وأطعماني، وصلينا العصر، ثم ودعه ثم رأيته مر في السحاب نحو السماء. (ج/ص: 1/ 395)
فقد كفانا البيهقي أمره، وقال: هذا حديث ضعيف بمرة، والعجب أن الحاكم أبا عبد الله النيسابوري أخرجه في (مستدركه) على (الصحيحين) ، وهذا مما يستدرك به على (مستدركه) ، فإنه حديث موضوع، مخالف للأحاديث الصحاح من وجوه.
ومعناه لا يصح أيضًا، فقد تقدم في (الصحيحين) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعًا في السماء ) ).