الصفحة 78 من 119

قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73)

{قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ} اعتذار بنسيان الوصية على أبلغ وجه كأن نسيانه أمر محقق عند الخضر عليه السلام لا يحتاج أن يفيده إياه استقلالًا وإنما يلتمس منه ترك المؤاخذة به؛ فما مصدرية والباء صلة المؤاخذة أي لا تؤاخذ بنسياني وصيتك في ترك السؤال عن شيء حتى تحدث لي منه ذكرًا، والتمس ترك المؤاخذة بالنسيان لأن الكامل قد يؤاخذ به وهي مؤاخذة بقلة التحفظ التي أدت إليه كما وقعت لأول ناس وهو أول الناس وإلا فالمؤاخذة به نفسه لا تصح لأنه غير مقدور، وقيل: الباء للسببية وهي متعلقة بالفعل، والنسيان وإن لم يكن سببًا قريبًا للمؤاخذة بل السبب القريب لها هو ترك العمل بالوصية لكنه سبب بعيد لأنه لولاه لم يكن الترك، وجوز أن تكون متعلقة بمعنى النهي كما قيل في {بِنِعْمَةِ رَبّكَ} من قوله تعالى: {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ} [القلم: 2] إنه متعلق بمعنى النفي فيكون النسيان سببًا للنهي عن المؤاخذة بترك العمل بالوصية. وزعم بعضهم تعين كونها للملابسة، ويجوز في ما أن تكون موصولة وأن تكون موصوفة أي لا تؤاخذني بالذي أو بشيء نسيته وهو الوصية لكن يحتاج هذا ظاهرًا إلى تقدير مضاف أي بترك ما نسيته لأن المؤاخذة بترك الوصية أي ترك العمل بها لا بنفس الوصية.

وقيل قد لا يحتاج إلى تقدير المضاف فإن الوصية سبب للمؤاخذة إذ لولاهما لم يكن ترك العمل ولا المؤاخذة، ونظير ذلك ما قيل في قوله تعالى: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ} [الكهف: 50] ثم كون ما ذكر اعتذارًا بنسيان الوصية هو الظاهر وقد صح في البخاري أن المرة الأولى كانت نسيانًا.

وزعم بعضهم أنه يحتمل أنه عليه السلام لم ينس الوصية وإنما نهى عن مؤاخذته بالنسيان موهمًا أن ما صدر منه كان عن نسيانها مع أنه إنما عنى نسيان شيء آخر، وهذا من معاريض الكلام التي يتقي بها الكذب مع التوسل إلى الغرض كقول إبراهيم عليه السلام: هذه أختي. و {إني سقيم} [الصافات: 89] ، وروى هذا ابن جرير عن أبي بن كعب وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

وجوز أن يكون النسيان مجازًا عن الترك أي لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة {وَلاَ تُرْهِقْنِى} لا تغشني ولا تحملني {مِنْ أَمْرِى} وهو اتباعه إياه {عُسْرًا} أي صعوبة وهو مفعول ثان لترهقني، والمراد لا تعسر على متابعتك ويسرها علي بالإغضاء وترك المناقشة. وقرأ أبو جعفر {عُسْرًا} بضمتين.

فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74)

{فانطلقا} الفاء فصيحة أي فقبل عذره فخرجا من السفينة فانطلقا يمشيان على الساحل كما في «الصحيح» ، وفي رواية أنهما مرا بقرية {حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا} يزعمون كما قال البخاري أن اسمه جيسور بالجيم وروى بالحاء، وقيل اسمه جنبتون وقيل غير ذلك، وصح أنه كان يلعب مع الغلمان وكانوا على ما قيل عشرة وأنه لم يكن فيهم أحسن ولا أنظف منه فأخذه {فَقَتَلَهُ} أخرج البخاري في رواية أنه عليه السلام أخذ برأسه من أعلاه فاقتلعه بيده، وفي رواية أخرى أنه أخذه فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، وقيل ضرب رأسه بالجدار حتى قتله، وقيل رضه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت