فهرس الكتاب
بحجر، وقيل ضربه برجله فقتله، وقيل أدخل أصبعه في سرته فاقتلعها فمات، وجمع بين الروايات الثلاثة الأول بأنه ضرب رأسه بالجدار أولًا ثم أضجعه وذبحه ثم اقتلع رأسه، وربما يجمع بين الكل وفي كلا الجمعين بعد، والظاهر أن الغلام لم يكن بالغًا لأنه حقيقة الغلام الشائعة في الاستعمال وإلى ذلك ذهب الجمهور، وقيل كان بالغًا شابًا، وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن عبد العزيز أنه كان ابن عشرين سنة، والعرب تبقى على الشاب اسم الغلام، ومنه قول ليلى الأخيلية في الحجاج:
شفاها من الداء الذي قد أصابها ... غلام إذا هز القناة سقاها
وقوله:
تلق ذباب السيف عني فإنني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر
وقيل هو حقيقة في البالغ لأن أصله من الاغتلام وهو شدة الشبق وذلك إنما يكون فيمن بلغ الحلم، وإطلاقه على الصبي الصغير تجوز من باب تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه، ويؤيد قول الأولين قوله تعالى: {قَالَ} أي موسى عليه السلام {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً} أي طاهرة من الذنوب فإن البالغ قلما يزكو من الذنوب.
/ وقد جاء في حديث عن ابن جبير عن ابن عباس مرفوعًا تفسير زكية بصغيرة وهو تفسير باللازم، ومن قال كان بالغًا قال: وصفه عليه السلام بذلك لأنه لم يره أذنب فهو وصف ناشىء من حسن الظن، واستدل على كونه بالغًا بقوله تعالى: {بِغَيْرِ نَفْسٍ} أي بغير حق قصاص لك عليها فإن الصبي لا قصاص عليه. وأجاب النووي. والكرماني بأن المراد التنبيه على أنه قتله بغير حق إلا أنه خص حق القصاص بالنفي لأنه الأنسب بمقام القتل أو أن شرعهم كان إيجاب القصاص على الصبي، وقد نقل المحدثون كالبيهقي في كتاب المعرفة أنه كان في شرعنا كذلك قبل الهجرة.
وقال السبكي: قبل أحد ثم نسخ، والجار والمحرور قال أبو البقاء متعلق بقتلت كأنه قيل أي قتلت نفسًا بلا حق، وجوز أن يتعلق بمحذوف أي قتلًا بغير نفس، وأن يكون في موضع الحال أي قتلتها ظالمًا لها أو مظلومة.
وقرأ ابن عباس. والأعرج. وأبو جعفر. وشيبة. وابن محيصن. وحميد. والزهري. ونافع. واليزيد. وابن مسلم. وزيد. وابن بكير عن يعقوب. ورويس عنه أيضًا. وأبو عبيد. وابن جبير الأنطاكي وابن كثير. وأبو عمرو {*زاكية} بتخفيف الياء وألف بعد الزاي، و {نَفْسًا زَكِيَّةً} بالتشديد من غير ألف كما قرأ زيد بن علي. والحسن. والجحدري. وابن عامر. والكوفيون أبلغ من ذلك لأنه صفة مشبهة دالة على الثبوت مع كون فعيل المحول من فاعل كما قال أبو حيان يدل على المبالغة، وفرق أبو عمرو بين زاكية وزكية بأن زاكية بالألف هي التي لم تذنب قط وزكية بدون الألف هي التي أذنبت ثم غفرت.
وتعقب بأنه فرق غير ظاهر لأن أصل معنى الزكاة النمو والزيادة فلذا وردت للزيادة المعنوية وأطلقت على الطهارة من الآثام ولو بحسب الخلقة والابتداء كما في قوله تعالى: {لاِهَبَ لَكِ غلاما زَكِيًّا} فمن أين جاءت هذه الدلالة ثم وجه ذلك بأنه يحتمل أن تكون لكون زاكية بالألف من زكى اللازم وهو يقتضي أنه ليس