الصفحة 91 من 119

ولإرادة هذا المعنى جيء بالإرادة ولم يقل فأعبتها. وهذا ظاهر في أن اللام في الاعتراض للتعليل ويحتاج حملها على العاقبة إلى ارتكاب خلاف الظاهر هنا كما لا يخفى على المتأمل {وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ} أي أمامهم وبذلك قرأ ابن عباس. وابن جبير. وهو قول قتادة. وأبي عبيد. وابن السكيت. والزجاج، وعلى ذلك جاء قول لبيد:

أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحني عليها الأصابع

وقول سوار بن المضرب السعدي:

أيرجو بنو مروان سمعى وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيًا

وقول الآخر:

أليس ورائي أن أدب على العصا ... فيأمن أعدائي ويسأمني أهلي

وفي القرآن كثير أيضًا، ولا خلاف عند أهل اللغة في مجيء وراء بمعنى أمام وإنما الخلاف في غير ذلك، وأكثرهم على أنه معنى حقيقي يصح إرادته منها في أي موضع كان وقالوا: هي من الأضداد، وظاهر كلام البعض أن لها معنى واحدًا يشمل الضدين فقال ابن الكمال نقلًا عن الزمخشري: إنها اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام، وقال البيضاوي ما حاصله: إنه في الأصل مصدر ورا يرئى كقضا يقضي وإذا أضيف إلى الفاعل يراد به المفعول أعني المستور وهو ما كان خلفًا وإذا أضيف إلى المفعول يراد به الفاعل أعني الساتر وهو ما كان قدامًا.

ورد عليه بقوله تعالى: {ارجعوا وَرَاءكُمْ} [الحديد: 13] فإن وراء أضيفت فيه إلى المفعول والمراد بها الخلف.

وقال الفراء: لا يجوز أن يقال للرجل بين يديه هو وراءك وكذا في سائر الأجسام وإنما يجوز ذلك في المواقيت من الليالي والأيام؛ وقال أبو علي: إنما جاز استعمال وراء بمعنى أمام على الاتساع لأنها جهة مقابلة لجهة فكانت كل واحدة من الجهتين وراء الأخرى إذا لم يرد معنى المواجهة ويجوز ذلك في الأجرام التي لا وجه لها مثل حجرين متقابلين كل واحد منهما وراء الآخر، وقيل: أي خلفهم كما هو المشهور في معنى وراء.

واعترض بأنه إذا كان خلفهم فقد سلموا منه. وأجيب بأن المراد أنه خلفهم مدرك لهم ومار بهم أو بان رجوعهم عليه واسمه على ما يزعمون هدد بن بدد وكان كافرًا، وقيل. جلندي بن كركر ملك غسان، وقيل. مفواد بن الجلند بن سعيد الأزدي وكان بجزيرة الأندلس {يَاخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ} أي صالحة وقد قرأ كذلك أبي بن كعب، ولو أبقى العموم على ظاهره لم يكن للتعييب فائدة {غَصْبًا} من أصحابها، وانصابه على أنه مصدر مبين لنوع الأخذ، والظاهر أنه كان يغصب السفن من أصحابها ثم لا يردها عليهم، وقيل. كان يسخرها ثم يردها، والفاء في {فَأَرَدتُّ} للتفريع فيفيد أن سبب إرادة التعييب كونها لقوم مساكين عجزة لكن لما كانت مناسبة هذا السبب هذا السبب للمسبب خفية بين ذلك بذكر عادة الملك في غصب السفن، وما آل المعنى أما السفينة فكانت لقوم مساكين عجزة يكتسبون بها فأردت بما فعلت أعانتهم على ما يخافونه ويعجزون عن دفعه من غصب ملك وراءهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت