فهرس الكتاب
عادته غصب السفن الصالحة، وذكر بعضهم أن السبب مجموع الأمرين المسكنة والغصب إلا أنه وسط التفريع بين الأمرين وكان الظاهر تأخيره عنهما للغاية به من حيث أن ذلك الفعل كان هو المنكر المحتاج إلى بيان تأويله وللإيذان بأن الأقوى في السببية هو الأمر الأول ولذلك لم يبال بتخليص سفن سائر الناس مع تحقق الجزء الأخير من السبب ولان في تأخيره فصلًا بين السفينة وضميرها مع توهم رجوعه إلى الأقرب فليفهم، وظاهر الآية أن موسى عليه السلام ما علم تأويل هذا الفعل قبل. ويشكل عليه ما جاء عن الربيع أن الخضر عليه السلام بعد أن خرق السفينة وسلمت من الملك الظالم أقبل على أصحابها فقال: إنما أردت الذي هوخير لكم فحمدوا رأيه وأصلحها لهم كما كانت فإنه ظاهر في أنه عليه السلام أوقفهم على حقيقة الأمر، والظاهر أن موسى عليه السلام كان حاضرًا يسمع ذلك، وقد يقال: إن هذا الخبر لا يعول عليه واحتمال صحته مع عدم سماع موسى عليه السلام مما لا يلتفت إليه.
وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80)
{وَأَمَّا الغلام} الذي قتله {فَكَانَ أَبَوَاهُ} أي أبوه وأمه ففيه تغليب. واسم الأب على ما في الاتقان كازير والأم سهوًا، وفي مصحف أبي وقراءة ابن عباس {وَأَمَّا الغلام فَكَانَ الغلام فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ} والمعنى على ذلك في قراءة السبعة إلا أنه ترك التصريح بكفره إشعارًا بعدم الحاجة إلى الذكر لظهوره. واستدل بتلك القراءة من قال: إن الغلام كان بالغًا لأن الصغير لا يوصف بكفر وإيمان حقيقيين. وأجاب النووي عن ذلك بوجهين، الأول: أن القراءة شاذة لا حجة فيها، الثاني: أنه سماع بما يؤل إليه لو عاش. وفي صحيح مسلم: أن الغلام طبع يوم طبع كافرًا وأول بنحو هذا وكذا ما مر من خبر صاحب العرس والعرائس لكن في صحته توقف عندي لأنه ربما يقتضي بظاهره علم موسى عليه السلام بتأويل القتل قبل الفراق، وعلى ما سمعت من التأويل لا يرد شيء مما ذكر على القول المنصور في الأطفال وهو أنهم مطلقًا في الجنة على أنه قيل الكلام في غير من أخبر الصادق بأنه كافر، وقرأ أبو سعيد الخدري. والجحدري {فَكَانَ أَبَوَاهُ} وخرجه الزمخشري. وابن عطية. وأبو الفضل الرازي على أن في كان ضمير الشأن، والجملة في موضع الخبر لهما، وأجاز أبو الفضل أن يكون {*مؤمنان} على لغة بني الحرث بن كعب فيكون منصوبًا، وأجاز أيضًا أن يكون في كان ضمير {وَأَمَّا الغلام} والجملة في موضع الخبر.
{فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا} فخفنا خوفًا شديدًا أن يغشى الوالدين المؤمنين لو بقي حيًا {طُغْيَانًا} مجاوزة للحدود الإلهية {وَكُفْرًا} بالله تعالى وذلك بأن يحملهما حبه على متابعته كما روى عن ابن جبير، ولعل عطف الكفر على الطغيان لتفظيع أمره، ولعل ذكر الطغيان مع أن ظاهر السياق الاقتصار على الكفر ليتأتى هذا التفظيع أو ليكون المعنى فخشينا أن يدنس إيمانهم أولًا ويزيله آخرًا، ويلتزم هذا القول بأن ذلك أشنع وأقبح من إزالته بدون سابقية تدنيس؛ وفسر بعد شراح البخاري الخشية بالعلم فقال: أي علمنا أنه لو أدرك وبلغ لدعا أبويه إلى الكفر فيجيبانه ويدخلان معه في دينه لفرط حبهما إياه، وقيل: المعنى خشينا أن يغشيهما طغيانًا عليهما