فهرس الكتاب
جَارِيَةً فَفَدَى بِهَا نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ هَبَطَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَوْمٌ، فَأَخَذَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ مَنَّ عَلَى سِبِّي هَوَازِنَ، وَقَتَلَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ صَبْرًا فَقَالَتْ أُخْتُهُ قُتَيْلَةُ تَرِثِيهِ: يَا رَاكِبًا إنَّ الْأَثِيلَ مَظِنَّةٌ مِنْ صُبْحِ خَامِسَةٍ وَأَنْتَ مُوَفَّقُ أَبْلِغْ بِهَا مَيِّتًا بِأَنَّ تَحِيَّةً مَا إنْ تَزَالُ بِهَا النَّجَائِبُ تَخْفِقُ مِنِّي إلَيْهِ وَعَبْرَةً مَسْفُوحَةً جَادَتْ بِوَاكِفِهَا وَأُخْرَى تَخْنُقُ فَلْيَسْمَعْنِ النَّضْرُ إنْ نَادَيْته إنْ كَانَ يَسْمَعُ مَيِّتٌ أَوْ يَنْطِقُ أَمُحَمَّدٌ وَلَأَنْتَ ضِنْءُ كَرِيمَةٍ فِي قَوْمِهَا وَالْفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ مَا كَانَ ضَرَّك لَوْ مَنَنْت وَرُبَّمَا مِنْ الْفَتَى وَهُوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ لَوْ كُنْت قَابِلَ فِدْيَةٍ لَفَدَيْتُهُ بِأَعَزِّ مَا يُغْلَى بِهِ مَنْ يُنْفِقُ وَالنَّصْرُ أَقْرَبُ مِنْ أَسَرْت قَرَابَةً وَأَحَقُّهُمْ لَوْ كَانَ عِتْقٌ يُعْتِقُ ظَلَّتْ رِمَاحُ بَنِي أَبِيهِ تَنُوشُهُ لِلَّهِ أَرْحَامٌ هُنَاكَ تُشَقَّقُ صَبْرًا يُقَادُ إلَى الْمَنِيَّةِ مَتْعَبًا رَسْفَ الْمُقَيِّدِ وَهُوَ عَانٍ مُوثَقُ فَالنَّظَرُ إلَى الْإِمَامِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} فَمَعْنَاهُ عِنْدَ قَوْمٍ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ آثَامَهَا يُرِيدُونَ بِأَنْ يُسْلِمَ الْكُلُّ، فَلَا يَبْقَى كَافِرٌ؛ وَيُؤَوَّلُ مَعْنَاهُ إلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ حَتَّى يَنْقَطِعَ الْجِهَادُ؛ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ {لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ} . وَمَنْ ذَكَرَ نُزُولَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ إذَا نَزَلَ لَا يَبْقَى كَافِرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا جِزْيَةٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ جِزْيَةٌ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ فِي تَتْمِيمِ الْقَوْلِ: قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَاخِيرٌ: الْمَعْنَى فَضَرْبُ الرِّقَابِ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، فَإِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ
وفي بدائع الصنائع:
وَهَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يُفَادِيَ الْأَسَارَى؟
أَمَّا الْمُفَادَاةُ بِالْمَالِ فَلَا تَجُوزُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: مُفَادَاةُ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يُرْجَى لَهُ وَلَدٌ تَجُوزُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِالْمَالِ كَيْفَ مَا كَانَ، وَاحْتَجَّ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} وَقَدْ فَادَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسَارَى بَدْرٍ بِالْمَالِ، وَأَدْنَى دَرَجَاتِ فِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْجَوَازُ، وَالْإِبَاحَةُ. (وَلَنَا) أَنَّ قَتْلَ الْأَسْرَى مَامُورٌ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} وَأَنَّهُ مُنْصَرِفٌ إلَى مَا بَعْدَ الْأَخْذِ وَالِاسْتِرْقَاقِ لِمَا قُلْنَا، وَقَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} وَالْأَمْرُ بِالْقَتْلِ لِلتَّوَسُّلِ إلَى الْإِسْلَامِ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ إلَّا لِمَا شُرِعَ لَهُ الْقَتْلُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ وَسِيلَةً إلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يَحْصُلُ مَعْنَى التَّوَسُّلِ بِالْمُفَادَاةِ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْمَفْرُوضِ لِأَجَلِهِ، وَيَحْصُلُ بِالذِّمَّةِ وَالِاسْتِرْقَاقِ لِمَا بَيَّنَّا فَكَانَ إقَامَةً لِلْفَرْضِ مَعْنًى لَا تَرْكًا لَهُ، وَلِأَنَّ الْمُفَادَاةَ بِالْمَالِ إعَانَةٌ لِأَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى الْحِرَابِ؛ لِأَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلَى الْمَنَعَةِ فَيَصِيرُونَ حَرْبًا عَلَيْنَا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ. وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: مَعْنَى الْإِعَانَةِ لَا يَحْصُلُ مِنْ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يُرْجَى مِنْهُ وَلَدٌ فَجَازَ فِدَاؤُهُ بِالْمَالِ، وَلَكِنَّنَا نَقُولُ: إنْ كَانَ لَا يَحْصُلُ بِهَذَا الطَّرِيقِ يَحْصُلُ بِطَرِيقٍ آخَرَ، وَهُوَ الرَّايُ وَالْمَشُورَةُ وَتَكْثِيرُ السَّوَادِ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: إنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . وَقَوْلِهِ