الصفحة 102 من 189

تَبَارَكَ وَتَعَالَى - {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} الْآيَةَ لِأَنَّ سُورَةَ بَرَاءَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، فِيمَنْ مُنَّ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَسْرِهِمْ عَلَى أَنْ يَصِيرُوا كَرَّةً لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَهْلِ خَيْبَرَ، أَوْ ذِمَّةً كَمَا فَعَلَ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَهْلِ السَّوَادِ، وَيُسْتَرَقُّونَ. (وَأَمَّا) أَسَارَى بَدْرٍ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بِاجْتِهَادِهِ وَلَمْ يَنْتَظِرْ الْوَحْيَ فَعُوتِبَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - {لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} حَتَّى قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ {لَوْ أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ نَارًا مَا نَجَا إلَّا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ} يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْ التَّاوِيلِ أَيْ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَاخُذَ الْفِدَاءَ فِي الْأَسَارَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ، أَيْ حَتَّى يَغْلِبَ فِي الْأَرْضِ مَنَعَةً عَنْ أَخْذِ الْفِدَاءِ بِهَا، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لِيَغْلِبَ فِي الْأَرْضِ؛ إذْ لَوْ أَطْلَقَهُمْ لَرَجَعُوا إلَى الْمَنَعَةِ، وَصَارُوا حَرْبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَا تَتَحَقَّقُ الْغَلَبَةُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُفَادَاةَ كَانَتْ جَائِزَةً ثُمَّ انْتَسَخَتْ بِقَوْلِهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . وَإِنَّمَا عُوتِبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ {لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ} لَا لِخَطَرِ الْمُفَادَاةِ، بَلْ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَنْتَظِرْ بُلُوغَ الْوَحْيِ، وَعَمِلَ بِاجْتِهَادِهِ، أَيْ لَوْلَا مِنْ حُكْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - أَنْ لَا يُعَذِّبَ أَحَدًا عَلَى الْعَمَلِ بِالِاجْتِهَادِ، لَمَسَّكُمْ الْعَذَابُ بِالْعَمَلِ بِالِاجْتِهَادِ، وَتَرْكِكُمْ انْتِظَارَ الْوَحْيِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.

ومثله في المبسوط تماما

وفي الفصول في الأصول:

بَابٌ ذِكْرُ نَسْخِ النَّاسِخِ مِنْ الْأَحْكَامِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدْ يَرِدُ النَّسْخُ عَلَى النَّاسِخِ مِنْ الْحُكْمِ، وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَهُ قَوْله تَعَالَى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} (وَقَالَ السُّدِّيُّ قَوْلُهُ {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} نَسَخَهُ قَوْله تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ: أَنَّ سُورَةَ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ. وَمِنْ نَحْوِ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى. {وَاَللَّاتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ. ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ حَدُّ الزَّانِيَيْنِ بَدْءًا، وَأَنَّهُ نُسِخَ بِالْجَلْدِ وَالرَّجْمِ اللَّذَيْنِ نُسِخَ بِهِمَا. ذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا. الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الْجَلْدُ، وَالرَّجْمُ} وَهَذَا الْحَدُّ مَنْسُوخٌ عَنْ غَيْرِ الْمُحْصَنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} . وَعَنْ الْمُحْصَنِ رَجْمُهُ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ(مِنْ غَيْرِ جَلْدٍ وَبِقَوْلِهِ:) {يَا أُنَيْسُ اُغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا} ، فَلَمْ تُوجِبْ الْآيَةُ النَّفْيَ، وَلَمْ يُوجِبْ الْخَبَرُ الْجَلْدَ مَعَ الرَّجْمِ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ حَدِيثِ عُبَادَةَ (بْنِ الصَّامِتِ) لِأَنَّهُمْ نُقِلُوا مِنْ الْحَبْسِ وَالْأَذَى إلَى مَا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ، بِلَا وَاسِطَةٍ لِقَوْلِهِ: {خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} ثُمَّ كَانَ نُزُولُ الْآيَةِ وَقِصَّةُ مَاعِزٍ بَعْدَ ذَلِكَ. وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ حَدِيثُ: إبَاحَةُ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ حُظِرَ ثُمَّ أُبِيحَ، ثُمَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت