الصفحة 148 من 189

مِمَّنْ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ. وَهَذَا يَتَّفِقُ مَعَ مَا حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ حَيْثُ قَالَ: وَقَدْ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ , وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَقَالَ قَوْمٌ: تُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ , وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ. وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأُسَارَى مِنْ غَيْرِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْمُرْتَدِّينَ , وَوَضَعُوا قَاعِدَةً عَامَّةً هِيَ: كُلُّ مَنْ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ مِنْ الرِّجَالِ , يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ , كَأَهْلِ الْكِتَابِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ , وَمَنْ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ , كَالْمُرْتَدِّينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ.

رُجُوعُ الْإِمَامِ فِي اخْتِيَارِهِ:

29 -لَمْ نَقِفْ فِيمَا رَجَعْنَا إلَيْهِ مِنْ كُتُبٍ عَلَى مَنْ تَعَرَّضَ لِهَذَا , إلَّا مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ الشَّافِعِيُّ مِنْ قَوْلَةِ: لَمْ يَتَعَرَّضُوا فِيمَا عَلِمْت إلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ اخْتَارَ خَصْلَةً لَهُ الرُّجُوعِ عَنْهَا أَوَّلًا , وَلَا إلَى أَنَّ اخْتِيَارَهُ هَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى لَفْظٍ أَوْ لَا. وَقَالَ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لَا بُدَّ مِنْهُ , فَلَوْ اخْتَارَ خَصْلَةً وَظَهَرَ لَهُ بِالِاجْتِهَادِ أَنَّهَا الْأَحَظُّ , ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الْأَحَظَّ غَيْرُهَا , فَإِنْ كَانَتْ رِقًّا لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا مُطْلَقًا , لِأَنَّ الْغَانِمِينَ وَأَهْلَ الْخُمُسِ مَلَكُوا بِمُجَرَّدِ ضَرْبِ الرِّقِّ , فَلَمْ يَمْلِكْ إبْطَالَهُ عَلَيْهِمْ , وَإِنْ كَانَ قَتْلًا جَازَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ , تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدِّمَاءِ مَا أَمْكَنَ , وَإِنْ كَانَ فِدَاءً أَوْ مَنًّا لَمْ يُعْمَلْ بِالثَّانِي , لِاسْتِلْزَامِهِ نَقْضَ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِ مُوجِبٍ , إلَّا إذَا كَانَ اخْتِيَارُهُ أَحَدَهُمَا لِسَبَبٍ ثُمَّ زَالَ السَّبَبُ , وَتَعَيَّنَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي الثَّانِي عَمِلَ بِقَضِيَّتِهِ. وَلَيْسَ هَذَا نَقْضُ اجْتِهَادٍ بِاجْتِهَادٍ , بَلْ بِمَا يُشْبِهُ النَّصَّ , لِزَوَالِ مُوجِبِهِ الْأَوَّلِ بِالْكُلِّيَّةِ. مَا يَكُونُ بِهِ الِاخْتِيَارُ: 30 - وَأَمَّا تَوَقُّفُ الِاخْتِيَارِ عَلَى لَفْظٍ , فَإِنَّ الِاسْتِرْقَاقَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ , وَلَا يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ الْفِعْلِ , وَكَذَا الْفِدَاءُ , نِعْمَ يَكْفِي فِيهِ لَفْظٌ مُلْتَزِمٌ الْبَدَلَ مَعَ قَبْضِ الْإِمَامِ لَهُ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ , بِخِلَافِ الْخَصْلَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ لِحُصُولِهِمَا بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ.

أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ فِي يَدِ الْأَعْدَاءِ:

اسْتِئْسَارُ الْمُسْلِمِ وَمَا يَنْبَغِي لِاسْتِنْقَاذِهِ عِنْدَ تَتَرُّسِ الْكُفَّارِ بِهِ: أ - الِاسْتِئْسَارُ: 54 - الِاسْتِئْسَارُ هُوَ تَسْلِيمُ الْجُنْدِيِّ نَفْسَهُ لِلْأَسْرِ , فَقَدْ يَجِدُ الْجُنْدِيُّ نَفْسَهُ مُضْطَرًّا لِذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ الِاسْتِئْسَارُ مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلِمَ بِهِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ. رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه بِسَنَدِهِ قَالَ: {بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَشَرَةً رَهْطًا عَيْنًا , وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ , فَانْطَلَقُوا حَتَّى إذَا كَانُوا بِالْهَدَأَةِ - مَوْضِعٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ - ذُكِرُوا لِبَنِي لِحْيَانَ , فَنَفَرُوا لَهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائَتِي رَجُلٍ كُلُّهُمْ رَامٍ , فَاقْتَصُّوا أَثَرَهُمْ , فَلَمَّا رَآهُمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إلَى فَدْفَدٍ - مَوْضِعٍ غَلِيظٍ مُرْتَفِعٍ - وَأَحَاطَ بِهِمْ الْقَوْمُ , فَقَالُوا لَهُمْ: انْزِلُوا وَأَعْطُوا بِأَيْدِيكُمْ , وَلَكُمْ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ أَلَّا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا , قَالَ عَاصِمٌ: أَمَّا أَنَا فَوَاَللَّهِ لَا أَنْزِلُ الْيَوْمَ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ , اللَّهُمَّ خَبِّرْ عَنَّا نَبِيَّك , فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةٍ , فَنَزَلَ إلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ بِالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ , مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ , وَزَيْدُ بْنُ الدَّثْنَةِ , وَرَجُلٌ آخَرُ. فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَأَوْثَقُوهُمْ , فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ , وَاَللَّهِ لَا أَصْحَبُكُمْ , إنَّ لِي فِي هَؤُلَاءِ لَأُسْوَةً - يُرِيدُ الْقَتْلَى - فَجَرُّوهُ وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ - أَيْ مَارَسُوهُ وَخَادَعُوهُ لِيَتْبَعَهُمْ - فَأَبَى فَقَتَلُوهُ , وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَابْنِ الدَّثْنَةِ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ. . .} فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَا حَدَثَ , وَعَدَمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت