الصفحة 149 من 189

إنْكَارِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِئْسَارَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُرَخَّصٌ فِيهِ , وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَاسَ أَنْ يُسْتَاسَرُ الرَّجُلُ إذَا خَافَ أَنْ يُغْلَبَ. وَإِلَى هَذَا اتَّجَهَ كُلٌّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.

55 -وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى شُرُوطٍ يَلْزَمُ تَوَافُرُهَا لِجَوَازِ الِاسْتِئْسَارِ هِيَ: أَنْ يَخَافَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِسْلَامِ قَتْلُهُ فِي الْحَالِ , وَأَلَّا يَكُونَ الْمُسْتَسْلِمُ إمَامًا , أَوْ عِنْدَهُ مِنْ الشُّجَاعَةِ مَا يُمْكِنُهُ مِنْ الصُّمُودِ , وَأَنْ تَامَنَ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا الْفَاحِشَةَ. وَالْأَوْلَى - كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ - إذَا مَا خَشِيَ الْمُسْلِمُ الْوُقُوعَ فِي الْأَسْرِ أَنْ يُقَاتِلَ حَتَّى يُقْتَلَ , وَلَا يُسْلِمَ نَفْسَهُ لِلْأَسْرِ , لِأَنَّهُ يَفُوزُ بِثَوَابِ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ , وَيَسْلَمُ مِنْ تَحَكُّمِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ بِالتَّعْذِيبِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَالْفِتْنَةِ , وَإِنْ اسْتَاسَرَ جَازَ , لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ.

ب - اسْتِنْقَاذُ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ وَمُفَادَاتُهُمْ:

56 -إذَا وَقَعَ الْمُسْلِمُ أَسِيرًا فَهُوَ حُرٌّ عَلَى حَالِهِ , وَكَانَ فِي ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ , يَلْزَمُهُمْ الْعَمَلُ عَلَى خَلَاصِهِ , وَلَوْ بِتَيْسِيرِ سُبُلِ الْفِرَارِ لَهُ , وَالتَّفَاوُضِ مِنْ أَجْلِ إطْلَاقِ سَرَاحِهِ , فَإِذَا لَمْ يُطْلِقُوا سَرَاحَهُ تَرَبَّصُوا لِذَلِكَ. وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ صلوات الله وسلامه عليه يَتَحَيَّنُ الْفُرْصَةَ الْمُنَاسِبَةَ لِتَخْلِيصِ الْأَسْرَى. رَوَتْ كُتُبُ السِّيرَةِ أَنَّ {قُرَيْشًا أَسَرَتْ نَفَرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ , فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم حِيلَةً لِإِنْقَاذِهِمْ كَانَ يَدْعُو اللَّهَ لِإِنْقَاذِهِمْ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ , وَلَمَّا أَفْلَتَ أَحَدُهُمْ مِنْ الْأَسْرِ , وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ , سَأَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ رَفِيقَيْهِ فَقَالَ: أَنَا لَك بِهِمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ , فَخَرَجَ إلَى مَكَّةَ فَدَخَلَهَا مُسْتَخْفِيًا , فَلَقِيَ امْرَأَةً عَلِمَ أَنَّهَا تَحْمِلُ الطَّعَامَ لَهُمَا فِي الْأَسْرِ فَتَبِعَهَا , حَتَّى اسْتَطَاعَ تَخْلِيصَهُمَا , وَقَدِمَ بِهِمَا عَلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ} . وَقَدْ اسْتَنْقَذَ رَسُولُ اللَّهِ كُلًّا مِنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ رضي الله عنهما , وَقَدْ أَسَرَهُمَا الْمُشْرِكُونَ , بِأَنْ فَاوَضَ عَلَيْهِمَا , وَحَبَسَ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ حَتَّى يُطْلِقُوا سَرَاحَهُمَا , وَكَذَلِكَ فَعَلَ فِي اسْتِنْقَاذِ عُثْمَانَ وَعَشَرَةٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رضي الله عنهم بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ. وَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: {إنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي فَيْئِهِمْ أَنْ يُفَادُوا أَسْرَاهُمْ} . وَيُرْوَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لَأَنْ أَسْتَنْقِذَ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.

57 -وَيَجِبُ اسْتِنْقَاذُ الْأَسْرَى بِالْمُقَاتَلَةِ مَا دَامَ ذَلِكَ مَيْسُورًا , فَإِذَا دَخَلَ الْمُشْرِكُونَ دَارَ الْإِسْلَامِ فَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ وَالذَّرَارِيَّ وَالنِّسَاءَ , ثُمَّ عَلِمَ بِهِمْ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ , وَلَهُمْ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ , فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ مَا دَامُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ , فَإِنْ دَخَلُوا بِهِمْ دَارَ الْحَرْبِ , فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ إذَا غَلَبَ عَلَى رَايِهِمْ أَنَّهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى اسْتِنْقَاذِهِمْ , فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ لِتَخْلِيصِهِمْ فَتَرَكُوهُ كَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ , فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ فِي يَدِ الْكُفَّارِ بَعْضَ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ , وَلَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا الْخُرُوجُ لِقِتَالِهِمْ لِاسْتِنْقَاذِ الْأَسْرَى.

58 -وَالِاسْتِنْقَاذُ إذَا لَمْ يَتَيَسَّرْ عَنْ طَرِيقِ الْقِتَالِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَنْ طَرِيقِ الْفِدَاءِ بِتَبَادُلِ الْأَسْرَى , عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُ الْقَوْلِ فِيهِ , كَمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بِالْمَالِ أَيْضًا , لِقَوْلِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: {أَطْعِمُوا الْجَائِعَ , وَعُودُوا الْمَرِيضَ , وَفُكُّوا الْعَانِيَ} لِأَنَّ مَا يُخَافُ مِنْ تَعْذِيبِ الْأَسِيرِ أَعْظَمُ فِي الضَّرُورَةِ مِنْ بَذْلِ الْمَالِ , فَجَازَ دَفْعُ أَعْظَمِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت