فهرس الكتاب
الضَّرَرَيْنِ بِأَخَفِّهِمَا. وَالْحَنَفِيَّةُ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْتَدُوهُ. وَنَقَلَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ:"كُلُّ أَسِيرٍ كَانَ فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَفِكَاكُهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ". وَهُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ , كَمَا نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ فِي بَيْتِ الْمَالِ , فَإِنْ تَعَذَّرَ فَعَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ , وَالْأَسِيرُ كَأَحَدِهِمْ , فَإِنْ ضَيَّعَ الْإِمَامُ وَالْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْأَسِيرِ مِنْ مَالِهِ , وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا. وَفِي الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ بَذْلَ الْمَالِ لِفَكِّ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ - إنْ خِيفَ تَعْذِيبُهُمْ - جَائِزٌ عِنْدَ الضَّرُورَةِ , وَيَكُونُ فِي مَالِهِمْ , وَيُنْدَبُ عِنْدَ الْعَجْزِ افْتِدَاءُ الْغَيْرِ لَهُ , فَمَنْ قَالَ لِكَافِرٍ: أَطْلِقْ هَذَا الْأَسِيرَ , وَعَلَيَّ كَذَا , فَأَطْلَقَهُ لَزِمَهُ , وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْأَسِيرِ مَا لَمْ يَاذَنْ لَهُ فِي فِدَائِهِ.
61 -وَأَسْرُ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ لَا يُزِيلُ حُرِّيَّتَهُ , فَمَنْ اشْتَرَاهُ مِنْ الْعَدُوِّ لَا يَمْلِكُهُ , وَإِنْ اشْتَرَاهُ مُسْلِمٌ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِيمَا أَدَّى مِنْ فِدَائِهِ , وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِأَمْرِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ , وَالْقِيَاسُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ نَصًّا. وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ - كَمَا يَرْوِي الْمَوَّاقُ - أَنَّ لِلْمُشْتَرِيَّ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ , شَاءَ أَوْ أَبَى , لِأَنَّهُ فِدَاءٌ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ اُتُّبِعَ بِهِ فِي ذِمَّتِهِ. وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ , فَاَلَّذِي فَدَاهُ وَاشْتَرَاهُ مِنْ الْعَدُوِّ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غُرَمَائِهِ. أَمَّا إنْ كَانَ يَقْصِدُ الصَّدَقَةَ , أَوْ كَانَ الْفِدَاءُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ , وَكَذَا إنْ كَانَ الْأَسِيرُ يَرْجُو الْخَلَاصَ بِالْهُرُوبِ أَوْ التَّرْكِ.
ج - التَّتَرُّسُ بِأُسَارَى الْمُسْلِمِينَ:
63 -التُّرْسُ بِضَمِّ التَّاءِ: مَا يُتَوَقَّى بِهِ فِي الْحَرْبِ , يُقَالُ: تَتَرَّسَ بِالتُّرْسِ إذَا تَوَقَّى بِهِ , وَمِنْ ذَلِكَ تَتَرُّسُ الْمُشْرِكِينَ بِالْأَسْرَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالذِّمِّيِّينَ فِي الْقِتَالِ , لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَهُمْ كَالتِّرَاسِ , فَيَتَّقُونَ بِهِمْ هُجُومَ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ , لِأَنَّ رَمْيَ الْمُشْرِكِينَ - مَعَ تَتَرُّسِهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ - يُؤَدِّي إلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ نَحْرِصُ عَلَى حَيَاتِهِمْ وَإِنْقَاذِهِمْ مِنْ الْأَسْرِ. وَقَدْ عُنِيَ الْفُقَهَاءُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ , وَتَنَاوَلُوهَا مِنْ نَاحِيَةِ جَوَازِ الرَّمْيِ مَعَ التَّتَرُّسِ بِالْمُسْلِمِينَ أَوْ الذِّمِّيِّينَ , كَمَا تَنَاوَلُوهَا مِنْ نَاحِيَةِ لُزُومِ الْكَفَّارَةِ وَالدِّيَةِ , وَإِلَيْك اتِّجَاهَاتُ الْمَذَاهِبِ فِي هَذَا: أ - رَمْيُ التُّرْسِ: 64 - مِنْ نَاحِيَةِ رَمْيِ التُّرْسِ: يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي تَرْكِ الرَّمْيِ خَطَرٌ مُحَقَّقٌ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنَّهُ يَجُوزُ الرَّمْيُ بِرَغْمِ التَّتَرُّسِ , لِأَنَّ فِي الرَّمْيِ دَفْعُ الضَّرَرِ الْعَامِّ بِالذَّبِّ عَنْ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ , وَقَتْلُ الْأَسِيرِ ضَرَرٌ خَاصٌّ. وَيُقْصَدُ عِنْدَ الرَّمْيِ الْكُفَّارُ لَا التُّرْسُ , لِأَنَّهُ إنْ تَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ فِعْلًا فَقَدْ أَمْكَنَ قَصْدًا , وَنَقَلَ ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ السَّرَخْسِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ لِلرَّامِي بِيَمِينِهِ فِي أَنَّهُ قَصَدَ الْكُفَّارَ , وَلَيْسَ قَوْلَ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ الَّذِي يَدَّعِي الْعَمْدَ. أَمَّا فِي حَالَةِ خَوْفِ وُقُوعِ الضَّرَرِ عَلَى أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ رَمْيُهُمْ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ , لِأَنَّهَا حَالَةُ ضَرُورَةٍ أَيْضًا , وَتَسْقُطُ حُرْمَةُ التُّرْسِ. وَيَقُولُ الصَّاوِيُّ الْمَالِكِيُّ: وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ الْمُتَتَرَّسُ بِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ. وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَا يَجُوزُ , وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ مُجَرَّدَ الْخَوْفِ لَا يُبِيحُ الدَّمَ الْمَعْصُومَ , كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إذَا كَانَ الْخَوْفُ عَلَى بَعْضِ الْغَازِينَ فَقَطْ.