فهرس الكتاب
65 -وَأَمَّا فِي حَالَةِ الْحِصَارِ الَّذِي لَا خَطَرَ فِيهِ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ , لَكِنْ لَا يُقْدَرُ عَلَى الْحَرْبِيِّينَ إلَّا بِرَمْيِ التُّرْسِ , فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ , وَالشَّافِعِيَّةِ , وَجُمْهُورِ الْحَنَابِلَةِ , وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى الْمَنْعِ , لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ , وَتَرْكُ قَتْلِ الْكَافِرِ جَائِزٌ. أَلَا يُرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَلَّا يَقْتُلَ الْأُسَارَى لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ , فَكَانَ مُرَاعَاةُ جَانِبِ الْمُسْلِمِ أَوْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ , وَلِأَنَّ مَفْسَدَةَ قَتْلِ الْمُسْلِمِ فَوْقَ مَصْلَحَةِ قَتْلِ الْكَافِرِ. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ , وَالْقَاضِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ إلَى جَوَازِ رَمْيِهِمْ , وَعَلَّلَ الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنَّ فِي الرَّمْيِ دَفْعَ الضَّرَرِ الْعَامِّ , وَأَنَّهُ قَلَّمَا يَخْلُو حِصْنٌ عَنْ مُسْلِمٍ , وَاعْتَبَرَ الْقَاضِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الضَّرُورَةِ.
ب - الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ:
66 -وَمِنْ نَاحِيَةِ الْكَفَّارَةِ وَالدِّيَةِ عِنْدَ إصَابَةِ أَحَدِ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ نَتِيجَةَ رَمْيِ التُّرْسِ , فَإِنَّ جُمْهُورَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ مَا أَصَابُوهُ مِنْهُمْ لَا يَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ , لِأَنَّ الْجِهَادَ فَرْضٌ , وَالْغَرَامَاتُ لَا تُقْرَنُ بِالْفُرُوضِ , لِأَنَّ الْفَرْضَ مَامُورٌ بِهِ لَا مَحَالَةَ , وَسَبَبُ الْغَرَامَاتِ عُدْوَانٌ مَحْضٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ , وَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ , فَوُجُوبُ الضَّمَانِ يَمْنَعُ مِنْ إقَامَةِ الْفَرْضِ , لِأَنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِنْهُ خَوْفًا مِنْ لُزُومِ الضَّمَانِ , وَهَذَا لَا يَتَعَارَضُ مَعَ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَنَّهُ {لَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ دَمٌ مُفْرَجٌ} - أَيْ مُهْدَرٌ - لِأَنَّ النَّهْيَ عَامٌّ خُصَّ مِنْهُ الْبُغَاةُ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ , فَتُخَصُّ صُورَةُ النِّزَاعِ , كَمَا أَنَّ النَّهْيَ فِي الْحَدِيثِ خَاصٌّ بِدَارِ الْإِسْلَامِ , وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ. 67 - وَعِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَجُمْهُورِ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ تَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ قَوْلًا وَاحِدًا , وَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: تَجِبُ , لِأَنَّهُ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً , فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ إلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} . الثَّانِيَةُ: لَا دِيَةَ , لِأَنَّهُ قَتَلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِرَمْيٍ مُبَاحٍ , فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قوله تعالى {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} وَلَمْ يَذْكُرْ دِيَةً. وَعَدَمُ وُجُوبِ الدِّيَةِ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. 68 - وَيَقُولُ الْجَمَلُ الشَّافِعِيُّ: وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ إنْ عُلِمَ الْقَاتِلُ , لِأَنَّهُ قَتَلَ مَعْصُومًا , وَكَذَا الدِّيَةُ , لَا الْقِصَاصُ , لِأَنَّهُ مَعَ تَجْوِيزِ الرَّمْيِ لَا يَجْتَمِعَانِ. وَفِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِأَنْ يَعْلَمَ بِهِ , وَأَنْ يَكُونَ فِي الْإِمْكَانِ تَوَقِّيهِ. وَيَنْقُلُ الْبَابَرْتِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِي إسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ: إنْ قَصَدَهُ بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ الدِّيَةُ , عَلِمَهُ مُسْلِمًا أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ , لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ. وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ بِعَيْنِهِ بَلْ رَمَى إلَى الصَّفِّ فَأُصِيبَ فَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ. وَالتَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ أَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ , وَتَرْكُ قَتْلِ الْكَافِرِ جَائِزٌ , لِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ الْأُسَارَى لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ , فَكَانَ تَرْكُهُ لِعَدَمِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ أَوْلَى , وَلِأَنَّ مَفْسَدَةَ قَتْلِ الْمُسْلِمِ فَوْقَ مَصْلَحَةِ قَتْلِ الْكَافِرِ. 69 - وَلَمْ نَقِفْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذَا إلَّا مَا قَالَهُ الدُّسُوقِيُّ عِنْدَ تَعْلِيقِهِ عَلَى قَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمٍ , فَقَالَ: وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَيُقَاتَلُونَ وَلَا يُتْرَكُونَ. وَيَنْبَغِي ضَمَانُ قِيمَتِهِ عَلَى مَنْ رَمَاهُمْ , قِيَاسًا عَلَى مَا يُرْمَى مِنْ السَّفِينَةِ لِلنَّجَاةِ مِنْ الْغَرَقِ , بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا إتْلَافُ مَالٍ لِلنَّجَاةِ.
81 -وَالْأَسْرُ يَنْتَهِي بِمَا يُقَرِّرُ الْإِمَامُ , مِنْ قَتْلٍ أَوْ اسْتِرْقَاقٍ أَوْ مَنٍّ أَوْ فِدَاءٍ بِمَالٍ , أَوْ عَنْ طَرِيقِ تَبَادُلِ الْأَسْرَى عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ , كَمَا يَنْتَهِي الْأَسْرُ بِمَوْتِ الْأَسِيرِ قَبْلَ قَرَارِ الْإِمَامِ فِيهِ , وَكَذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ يَنْتَهِي بِفِرَارِ الْأَسِيرِ , يَقُولُ الْكَاسَانِيُّ: لَوْ انْفَلَتَ