الصفحة 164 من 189

الْعَرَبِ هُوَ التَّعْدِيدُ , وَكَانُوا يُعَدِّدُونَ عَلَى مَوْتَاهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِمَا كَانُوا يَتَبَارَوْنَ بِهِ مِنْ الْغَارَاتِ وَالسِّبَاءِ وَالْقَتْلِ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِبَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ يُعَدِّدُ بِمِثْلِهِ إنَّهُ يُعَذَّبُ لِهَذِهِ الْأَفْعَالِ , وَكَانَ قَبُولُ عُمَرَ وَابْنِهِ لَهُ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ , وَرَدُّ عَائِشَةُ لَهُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ أَيْضًا. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَقْلَ يُحِيلُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ فِي الْحِكْمَةِ تَعْذِيبُ الْإِنْسَانِ لِأَجْلِ فِعْلِ غَيْرِهِ. قِيلَ لَهُ: (إنَّهُ) وَإِنْ كَانَ الْعَقْلُ يَرُدُّهُ مَتَى حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَدْ أَخْبَرَتْ عَائِشَةُ أَنَّ مُخَالَفَتَهُ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ أَحَدُ مَا يُرَدُّ بِهِ وَيَمْنَعُ قَبُولَهُ (وَقَدْ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه جَمَعَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ"إنَّكُمْ تُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحَادِيثَ تَخْتَلِفُونَ فِيهَا فَمَنْ بَعْدَكُمْ أَشَدُّ اخْتِلَافًا فَمَنْ جَاءَكُمْ يَسْأَلُكُمْ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُولُوا عِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ فَأَحِلُّوا حَلَالَهُ وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ"فَأَمَرَهُمْ بِالرُّجُوعِ إلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنَعَ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْأَحْكَامَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ طَرِيقُ إثْبَاتِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى (عَلَيْهِ) دَلِيلٌ قَاطِعٌ يُوَصِّلُ إلَى الْعِلْمِ بِهِ حَتَّى لَا يَكُونَ الْعَادِلُ عَنْهُ مُصِيبًا بَلْ مُخْطِئًا تَارِكًا لِحُكْمِ اللَّهِ وَالثَّانِي: مَا كَانَ طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادَ وَغَالِبُ الظَّنِّ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ يُوَصِّلُ إلَى الْعِلْمِ (بِالْمَطْلُوبِ) وَهَذَا الَّذِي يَقُولُ فِيهِ أَصْحَابُنَا إنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ (وَاحِدًا عِنْدَهُمْ) فَنَقُولُ: عَلَى هَذَا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ ثَبَتَ مِنْ طَرِيقٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِمَا لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ.

وَمِنْ الْأَخْبَارِ الَّتِي يُرَدُّ بِهَا ظَاهِرُ الْكِتَابِ خَبَرُ الْقَسَامَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ , وَقَالَ اللَّهُ {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ} وَقَالَ: {إلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} وَلَمْ يَثْبُتْ خُصُوصُ هَذِهِ الْآيَاتِ بِالْإِجْمَاعِ بَلْ الْإِجْمَاعُ وَاقِعٌ (فِي) أَنَّ أَحَدًا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْغَيْرِ بِحَقٍّ لَا يَعْلَمُ صِحَّتَهُ وَثُبُوتَهُ فَكَيْفَ بِمَنْ يَشْهَدُ بِمَا هُوَ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ وَلَمْ يَشْهَدْهُ ثُمَّ يَحْلِفُ عَلَيْهِ. وَنَحْوُ حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ إذَا اُسْتُعْمِلَ عَلَى مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ كَانَ (خِلَافَ) ظَاهِرَ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ يُوجِبُ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى شَاةً بِصَاعِ تَمْرٍ فَوَجَدَهَا مُصَرَّاةً أَنْ يَرُدَّهَا وَيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ , وَمَعْلُومٌ أَنَّ حِصَّةَ اللَّبَنِ أَقَلُّ مِنْ صَاعٍ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} وَمِنْهُ حَدِيثُ الْقُرْعَةِ مَذْهَبُ الْمُخَالِفِ فِيهِ خِلَافُ الْكِتَابِ وَذَلِكَ قوله تعالى {إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ} الْآيَةَ وَاسْتِعْمَالُ الْقُرْعَةِ عَلَى مَا يَقُولُهُ مُخَالِفُونَا مِنْ الْمَيْسِرِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ لِآخَرَ قَارَعْتُك عَلَى أَنَّ مَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ فَهُوَ عَبْدٌ أَوْ فَلَهُ كَذَا أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرِيضَ كَانَ (مَالِكًا لِجَمِيعِ) مَالِهِ فِي الْمَرَضِ جَائِزَ التَّصَرُّفِ فِيهِ إلَى أَنْ يَرِدَ الْمَوْتُ فَثَبَتَ حَقُّ الْوَرَثَةِ فِي الثُّلُثَيْنِ وَلَا يَثْبُتُ حَقُّهُمْ فِي الثُّلُثِ لَا فِي (حَالِ) الْحَيَاةِ وَلَا بَعْدَ الْمَوْتِ إذَا أَعْتَقَهُمْ فِي الْمَرَضِ , فَلَمَّا أَعْتَقَهُمْ وَلَا مَالَ لَهُ (غَيْرُهُمْ) نَفَذَ عِتْقُهُ فِي ثُلُثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (لَا مَحَالَةَ إذْ) لَا حَقَّ فِيهِ لِأَحَدٍ فَإِذَا أَخْرَجْنَا بَعْضَهُمْ مِنْ الْعِتْقِ رَاسًا وَجَعَلْنَاهَا لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا كُلَّهَا بَدْءًا بِالْقُرْعَةِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلَيْنِ تَقَارَعَا وَهُمَا حُرَّانِ عَلَى أَنَّ مَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ مِنْهُمَا فَهُوَ عَبْدٌ , وَهَذَا أَفْحَشُ مِنْ الْمَيْسِرِ وَالْقِمَارِ اللَّذَيْنِ حَرَّمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْتَعْمِلُونَهَا فَلِذَلِكَ صَارَ مَعْنَى هَذَا الْخَبَرِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُخَالِفًا لِلْقُرْآنِ. وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا رَوَى سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت