الصفحة 187 من 189

مرة واحدة لا غير .. مع هذا فان الندم على موقفه هذا ظل يزلزل نفسه, ويقول:

"ما عليّ من استعمل عليّ".. ؟؟

ثم لم يفته بعد ذلك قتال!!

كان حسبه أن يعيش جنديا في جيش الإسلام, يقاتل تحت رايته, ويذود عن حرمته ..

ولما وقع الخلاف بين علي ومعاوية, وقف مع علي في غير تردد, لأنه الإمام الذي أعطي بيعة المسلمين .. ولما استشهد وانتهت الخلافة لمعاوية وقف أبو أيوب بنفسه الزاهدة, الصامدة التقية لا يرجو من الدنيا سوى أن يضل له مكان فوق أرض الوغى, وبين صفوف المجاهدين ..

وهكذا, لم يكد يبصر جيش الإسلام يتحرك صوب القسطنطينية حتى ركب فرسه, وحمل سيفه, وراح يبحث عن استشهاد عظيم طالما حنّ إليه واشتاق .. !!

وفي هذه المعركة أصيب.

وذهب قائد جيشه ليعوده, وكانت أنفاسه تسابق أشواقه الى لقاء الله ..

فسأله القائد, وكان يزيد بن معاوية:

"ما حاجتك أبا أيوب"؟

ترى, هل فينا من يستطيع أن يتصوّر أو يتخيّل ماذا كانت حاجة أبا أيوب .. ؟

كلا .. فقد كانت حاجته وهو يجود بروحه شيئا يعجز ويعيي كل تصوّر, وكل تخيّل لبني الإنسان .. !!

لقد طلب من يزيد, إذا هو مات أن يحمل جثمانه فوق فرسه, ويمضي به إلى أبعد مسافة ممكنة في أرض العدو, وهنالك يدفنه, ثم يزحف بجيشه على طول هذا الطريق, حتى يسمع وقع حوافر خيل المسلمين فوق قبره, فيدرك آنئذ أنهم قد أدركوا ما يبتغون من نصر وفوز .. !!

أتحسبون هذا شعرا .. ؟

لا .. ولا هو بخيال, بل واقع, وحق شهدته الدنيا ذات يوم, ووقفت تحدق بعينيها, وبأذنيها, لا تكاد تصدق ما تسمع وترى .. !!

ولقد أنجز يزيد وصيّة أبي أيوب ..

وفي قلب القسطنطينية, وهي اليوم استامبول, ثوى جثمان رجل عظيم, جدّ عظيم .. !!

وحتى قبل أن يغمر الإسلام تلك البقاع, كان أهل القسطنطينية من الروم, ينظرون إلى أبي أيوب في قبره نظرتهم إلى قدّيس ...

وانك لتعجب اذ ترى جميع المؤرخين الذين يسجلون تلك الوقائع ويقولون:

"وكان الروم يتعاهدون قبره, ويزورونه .. ويستسقون به إذا قحطوا".. !!

وعلى الرغم من المعارك التي انتظمت حياة أبي أيوب, والتي لم تكن تمهله ليضع سيفه ويستريح, على الرغم من ذلك, فان حياته كانت هادئة, نديّة كنسيم الفجر ..

ذلك انه سمع من الرسول صلى الله عليه وسلم حديثا فوعاه:

"وإذا صليت فصل صلاة مودّع .."

ولا تكلمن الناس بكلام تعتذر منه ..

والزم اليأس مما في أيدي الناس"..."

وهكذا لم يخض في لسانه فتنة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت