الصفحة 26 من 189

وتطهر المجتمع من الظلم الاجتماعي بجملته. وقام"النظام الإسلامي"، يعدل بعدل الله، ويزن بميزان الله، ويرفع راية العدالة الاجتماعية باسم الله وحده، ويسميها راية"الإسلام". لا يقرن إليها اسمًا آخر، ويكتب عليها:"لا اله إلا الله"!

وتطهرت النفوس والأخلاق، وزكت القلوب والأرواح، دون أن يحتاج الأمر حتى للحدود والتعازير التي شرعها الله - إلا في الندرة النادرة - لأن الرقابة قامت هناك في الضمائر، ولأن الطمع في رضى الله وثوابه، والحياء والخوف من غضبه وعقابه، قد قاما مقام الرقابة ومكان العقوبات.

وارتفعت البشرية في نظامها، وفي أخلاقها، وفي حياتها كلها، إلى القمة السامقة التي لم ترتفع إليها من قبل قط، والتي لم ترتفع إليها من بعد إلا في ظل الإسلام.

ولقد تم هذا كله لأن الذين أقاموا هذا الدين في صورة دولة ونظام وشرائع وأحكام، كانوا قد أقاموا هذا الدين من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم، في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك. وكانوا قد وُعِدُوا على إقامة هذا الدين وعدًا واحدًا، لا يدخل فيه الغلب والسلطان ..

ولا حتى لهذا الدين على أيديهم .. وعدًا واحدًا لا يتعلق بشيء في هذه الدنيا .. وعدًا واحدًا هو الجنة. هذا كل وعدوه على الجهاد المضني، والابتلاء الشاق، والمضي في الدعوة، ومواجهة الجاهلية بالأمر الذي يكرهه أصحاب السلطان في كل زمان وفي كل مكان، وهو:"لا إله إلا الله"!

فَلَمَّا أن ابتلاهم الله فصبروا، ولَمَّا أن فرغت نفوسهم من حظ نفوسهم، ولَمَّا أن علم الله منهم أنهم لا ينتظرون جزاء في هذه الأرض - كائنًا ما كان هذا الجزاء، ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم، وقيام هذا الدين في الأرض بجهدهم - ولَمَّا لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجد ولا قوم، ولا اعتزاز بوطن ولا أرض، ولا اعتزاز بعشيرة ولا بيت ..

لَمَّا أن علم الله منهم ذلك كله، علم أنهم قد أصبحوا - إذن - أمناء على هذه الأمانة الكبرى ..

أمناء على العقيدة، التي يتفرد فيها الله - سبحانه - بالحاكمية في القلوب والضمائر، وفي السلوك والشعائر، وفي الأرواح والأموال، وفي الأوضاع والأحوال ..

وأمناء على السلطان الذي يوضع في أيديهم ليقوموا به على شريعة الله ينفذونها، وعلى عدل الله يقيمونه، دون أن يكون لهم من ذلك السلطان شيء لأنفسهم، ولا لعشيرتهم، ولا لقومهم، ولا لجنسهم. إنما يكون السلطان الذي في أيديهم لله، ولدينه وشريعته، لأنهم يعلمون أنه من الله، هو الذي آتاهم إياه.

ولم يكن شيء من هذا المنهج المبارك ليتحقق على هذا المستوى الرفيع، إلا أن تبدأ الدعوة ذلك البدء. وإلا أن ترفع الدعوة هذه الراية وحدها ..

راية لا إله إلا الله .. ولا ترفع معها سواها. وإلا أن تسلك الدعوة هذا الطريق الوعر الشاق في ظاهره، المبارك الميسر في حقيقته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت