قال تعالى:
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)
يقول السيد رحمه الله في المعالم:
لقد شاءت حكمة الله أن تكون قضية العقيدة هي القضية التي تتصدى لها الدعوة منذ اليوم الأول للرسالة، وأن يبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى خطواته في الدعوة بدعوة الناس أن يشهدوا:
أن لا اله إلا الله، وأن يمضي في دعوته يعرِّف الناس بربهم الحق، ويُعَبِّدَهم له دون سواه.
ولم تكن هذه - في ظاهر الأمر وفي نظرة العقل البشري المحجوب - هي أيسر السبل إلى قلوب العرب!
فلقد كانوا يعرفون من لغتهم معنى"إله"ومعنى:"لا إله إلا الله". كانوا يعرفون أن الألوهية تعني الحاكمية العليا ..
وكانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وإفراد الله - سبحانه - بها، معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام، وردّه كله إلى الله ..
السلطان على الضمائر، والسلطان على الشعائر، والسلطان على واقعيات الحياة، والسلطان في المال، والسلطان في القضاء، والسلطان في الأرواح والأبدان ..
كانوا يعلمون أن"لا إله إلا الله"ثورة على السلطان الأرضي الذي يغتصب أولى خصائص الألوهية، وثورة على الأوضاع التي تقوم على قاعدة من هذا الاغتصاب، وخروج على السلطات التي تحكم بشريعة من عندها لم يأذن بها الله ..
ولم يكن يغيب عن العرب - وهم يعرفون لغتهم جيدًا ويعرفون المدلول الحقيقي لدعوة -"لا اله إلا الله"- ماذا تعني هذه الدعوة بالنسبة لأوضاعهم ورياساتهم وسلطانهم، ومن ثم استقبلوا هذه الدعوة - أو هذه الثورة - ذلك الاستقبال العنيف، وحاربوها هذه الحرب التي يعرفها الخاص والعام ..
فلمَّا تقررت العقيدة - بعد الجهد الشاق - وتقررت السلطة التي ترتكن إليها هذه العقيدة ..
لَمَّا عرف الناس ربهم وعبدوه وحده .. لَمَّا تحرر الناس من سلطان العبيد ومن سلطان الشهوات سواء ..
لَمَّا تقررت في القلوب"لا إله إلا الله".. صنع الله بها وبأهلها كل شيء مما يقترحه المقترحون .. تطهرت الأرض من"الرومان والفرس"..
لا ليتقرر فيها سلطان"العرب". ولكن ليتقرر فيها سلطان"الله"..
لقد تطهرت من سلطان"الطاغوت"كله ..
رومانيًا، وفارسيًا، وعربيًا، على السواء.