الصفحة 30 من 189

ولقد يخيل لبعض المخلصين المتعجلين، ممن لا يتدبرون طبيعة هذا الدين، وطبيعة منهجه الرباني القويم، المؤسس على حكمة العليم الحكيم وعلمه بطبائع البشر وحاجات الحياة ..

نقول:

لقد يخيل لبعض هؤلاء أن عرض أسس النظام الإسلامي - بل التشريعات الإسلامية كذلك - على الناس، مما ييسر لهم طريق الدعوة، ويحبب الناس في هذا الدين!

وهذا وَهْمٌ تنشئه العجلة!

وَهْمٌ كالذي كان يمكن أن يقترحه المقترحون:

أن تقوم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أولها تحت راية قومية، أو راية اجتماعية، أو راية أخلاقية، تيسيرًا للطريق!

إن القلوب يجب أن تخلص أولًا لله، وتعلن عبوديتها له وحده، بقبول شرعه وحده، ورفض كل شرع آخر غيره ..

من ناحية المبدأ ..

قبل أن تخاطب بأي تفصيل عن ذلك الشرع يرغبها فيه!

إن الرغبة يجب أن تنبثق من إخلاص العبودية لله، والتحرر من سلطان سواه، لا من أن النظام المعروض عليها ..

في ذاته ..

خير مما لديها من الأنظمة في كذا وكذا على وجه التفصيل.

إن نظام الله خير في ذاته، لأنه من شرع الله ..

ولن يكون شرع العبيد يومًا كشرع الله ..

ولكن هذه ليست قاعدة الدعوة. إن قاعدة الدعوة أن قبول شرع الله وحده أيًّا كان، ورفض كل شرع غيره أيًّا كان، هو ذاته الإسلام، وليس للإسلام مدلول سواه، فمن رغب في الإسلام ابتداء فقد فصل في القضية، ولم يعد بحاجة إلى ترغيبه بجمال النظام وأفضليته .. فهذه إحدى بديهيات الإيمان!

قال تعالى في سورة الإسراء:

وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا (82)

بهذا السلطان المستمد من الله , أعلن مجيء الحق بقوته وصدقه وثباته , وزهوق الباطل واندحاره وجلاءه. فمن طبيعة الصدق أن يحيا ويثبت , ومن طبيعة الباطل أن يتوارى ويزهق. .

(إن الباطل كان زهوقا) . .

حقيقة لدنية يقررها بصيغة التوكيد. وإن بدا للنظرة الأولى أن للباطل صولة ودولة. فالباطل ينتفخ ويتنفج وينفش , لأنه باطل لا يطمئن إلى حقيقة ; ومن ثم يحاول أن يموه على العين , وأن يبدو عظيما كبيرا ضخما راسخا , ولكنه هش سريع العطب , كشعلة الهشيم ترتفع في الفضاء عاليا ثم تخبو سريعا وتستحيل إلى رماد ; بينما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت