الانتقال من التقليد إلى النهوض في شعر الطبيعة، الذي يمثله القرن الرابع للهجرة وما بعده برواده كالمتنبي وأبي بكر الصنوبري، الذي يعده آدم متنر شاعر الطبيعة الأول في الأدب العربي (1) والوأواء الدمشقي، والسري الرفاء، وأبي الفتح كشاجم، ,أبي فراس الحمداني ... وغيرهم فقد استهوتهم الطبيعة بمفاتنها وسحرها وجمالها وان كانوا متفاوتين في ذلك الاستهواء فقد كانوا يذوبون في الطبيعة متصورين أنفسهم جزءًا منها بحيث أصبح شعر الطبيعة حضريًا إلى حد كبير يعني بمظاهر الحضارة من أناقة في المظهر، وتناسب في الأجزاء، وبعد عن الصور البدوية، ولم يكن ما تميز به شعر الطبيعة إلا أثرًا من آثار الحياة الاجتماعية المتطورة وغنى البيئات الطبيعية والحضارية (2) ولما غدا شعر الطبيعة فنًا قائمًا بذاته (3) جاء شعراء العصر العباسي بأوصاف للطبيعة لم تكن معروفة قديمًا فوصفوا الثلجيات، والروضيات، والفصليات، والبحتريات (4) وكان"شعر الزهريات"إحدى هذه الموضوعات أما بوصفه فنًا قائمًا بذاته أو إدراجه ضمن الأغراض الشعرية فنبع فيه كثير من الشعراء الذين أخذت الزهريات حيزًا كبيرًا من أشعارهم، ولم يكتفوا بذلك بل عمدوا إلى إجراء مفاضلة ... بين زهرة وأخرى، فضلًا عن المهارة بالأزهار، كل ذلك عبر الصور البيانية التي جملوا فيها الطبيعة فوق جمالها وبهذا كان شعر الزهريات ثمرة من ثمرات الحضارة وأتساع العمران الذي ولدته حياة المدينة، وحياة الترف التي عرفها العرب في العصر العباسي.
(1) ينظر الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري أو عصر النهضة في الإسلام- أ. آدم متنر-ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة-ط3 - القاهرة مطبعة لجنة التأليف والترجمة (1377هـ-1957م) 1/ 467.
(2) ينظر شعر الطبيعة في العصر العباسي الثاني: د. رشدي علي حسن-ط1 مؤسسة الرسالة-دار عمار- ... عمان-الأردن-1409هـ-1988م-165.
(3) ينظر العصر العباسي الثاني: 1/ 232.
(4) ينظر الشعر في رحاب سيف الدولة الحمداني: ت د. سعود محمود عبد الجابر ط1 - مؤسسة الرسالة-بيروت-1401هـ-1981 - 349، 353، 358، 359.