والشاعر بديع الزمان الهمذاني يدلو بدلوه في هذا الاتجاه في معرض وصفه لدينا الربيع بقوله:-
برق الربيع لنا برونق مائه ... فانظر لروعة أرضه وسمائه
فالترب بين ممسك ومعنبر ... من نوره بل مائه وروائه
والورد ليس بممسك رياه بل ... يهدي لنا نفحاته من ماته
زمن الربيع جلبت ازكى متجر ... و جلوت للرائين خير جلائه
فأنه هذا الرئيس اذا بدا ... في خلقه وصفائه وعطائه (1)
ان ألفاظ المقطوعة توحي لنا برقة المنظر وجماله وتشعرنا باللذة الجمالية للربيع حيث ان نشوة الربيع تجعلنا نترنم بهذه المقطوعة الخفيفة السهلة التي عمد الشاعر فيها الى تكرار عدد من الأحرف وهي حرف (الهاء في مائه - سمائه - رياه - نفحاته - جلائه) كما عمد الى التصريع (2) في البيت الاول بين"مائه، سمائه"وان هذا الضرب البديع الذي لجأ اليه الشاعر ليفيض على مقطوعته تلوينًا موسيقيًا، واسلوبًا تميز بمناسبة الألفاظ للمعاني لأن الاسلوب كما عرفه الاديب الزيات (( ليس هو المعنى وحده، ولا اللفظ، وانما هو مركب فني من عناصر مختلفة يستمدها الفنان من ذهنه، ومن نفسه ومن ذوقه تلك العناصر هي الافكار والصور والعواطف، ثم الألفاظ المركبة، والمحسنات المختلفة ) ) (3) ولنا في وصف النرجس والسرو للشاعر ابي هلال العسكري مثال آخر بقوله:-
لبس الماء والهواء صفاء ... واكتسى الروض بهجة وبهاء
فكأن النهاء صرن رياضا ... وكأن الرياض عدن نهاء
وكأن الهواء صار رحيقًا ... وكأن الرحيق صار هواء
(1) ديوان بديع الزمان الهمذاني: 30.
(2) التصريع: هو ما كانت عروض البيت تابعة لضربه: تنقص بنقصه، وتزيد بزيادته. العمدة في محاسن الشعر وأدبه ونقده: 1/ 173.
(3) دفاع عن البلاغة: أحمد حسن الزيات - مطبعة الرسالة بمصر - 1945 - 62.