الصور البيانية:
مما لا شك فيه إن الشعراء الذين عاشوا في المجتمع الحضاري للقرنين الثالث والرابع الهجريين، كانوا أقدر من غيرهم على تقديم العروض الفنية الجميلة، والتشبيهات البديعية والاستعارات الرائعة المستمدة من أناقة العصر وجماله، فوضعوا بين أيدينا ثروة ضخمة من الصور المؤلفة من غرائب الأشكال، وروائع الألوان تأخذ معها القارئ في رحلة بعيدة ممتعة يعود منها رضي البال مثلوج الفؤاد، وقد شكلت هذه الصورة ولونت بالفنون البلاغية المختلفة من تشبيه واستعارة المنتجين لروائع الصور وبأبهى الألوان، ولنبدأ بأولى هذه الصور، ... وهي الصور المشكلة بالتشبيه.
التشبيه: (( هو الدلالة على مشاركة أمر لأخر في وجه أو أكثر من الوجوه، ... أو في معنى أو أكثر من المعاني ) ) (1)
والتشبيه من أشرف كلام العرب لأن فيه الفطنة والبراعة وبه تزداد ... المعاني وضوحًا وتأكيدًا وفي قيمته الفنية يقول عبد القاهر الجرجاني (( إذا جاء ... في أعقاب المعاني أو أبرزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها أبهة، وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها ... وضاعت قواها في تحريك النفوس لها. ودعا القلوب لها ) ) (2)
فهذا أبن المعتز يعرض لنا لوحات فنية تنفح بالخيال ةالتشبيهات إذ يقول فيها:
عيون إذا ما عاينتها فكأنها ... مدامعها من فوق أجفانها در
محاجرها بيض وإحداقها صفر ... وأجسامها خضر وأنفاسها عطر (3)
وقوله:
عيون لجين فوقها حدق صفر ... يزينها من تحتها عمد خضر
كأن انحدار الطل في جنباتها ... دموع محب قد أضربه الهجر
إذا لمستها الريح مالت كانها ... كئيب من الصهباء مال به السكر (4)
(1) علم أساليب البيان: د. غازي يموت-ط1 - دار الأصالة بيروت-1403 - 1983 - 94.
(2) اسرار البلاغة: للشيخ عبد القاهر الجرجاني: ط ريتر دار الكتب للتراث العربي-بلا ت- 101 - 102.
(3) شعر أبن المعتز: 2/ 588.
(4) م. ن: 2/ 602.