الصفحة 42 من 155

المفاضلة بين الأزهار

من شدة اهتمام الشعراء بالزهور وتغنيهم بفضائلها صاروا يتعصبون لنوع منها دون الآخر ويجرون المفاضلة، والمقابلة بينها، وذلك دليل على طبائع الحضارة والرقي في تلك الحقبة.

فالشاعر الصنوبري الذي يعده آدم متز شاعر الطبيعة الأول في الأدب العربي (1) أهتم بوصف الرياض والنور والتطلع إلى أسرار الطبيعة قد يعمد أحيانًا إلى عقد مناظرة بين أصناف الزهر يتبارى كل منهم في إبراز محاسنه موظفًا في ذلك كل أساليب المناظرات حيث الاعتماد على العقل ومقارعة الحجة بالحجة للتدليل على رجحان وجهة نظره ومن ذلك تلك المناظرة التي عقدها بين الزهر والنرجس حيث شخصهما وأدار بينهما محاورة طريفة أنتصر فيها كل لنفسه مفضلًا جماله حاطًا من محاسن خصمه. (2)

يقول:

زعم الورد أنه هو أبهى ... من جميع الأنوار والريحان

فأجابته أعين النرجس الغض ... بذل من قولها وهوان

أي ما أحسن: التورد أم ... مقلة ريم مريضة الأجفان

فزها الورد ثم قال مجيبًا ... بقياس مستحسن وبيان

إن ورد الخدود أحسن من ... عين بها صفرة من اليرقان (3)

شعر القارئ أنه أمام مسرح أبطاله عدد من الصبايا الحسناوات يتباهين ... بجمالهن الواحدة على الأخرى بغنج ودلال، ولكن ما أن يصل إلى نهايتها حتى يدرك أن أبطال ذلك المسرح ليسوا سوى الورد، والأزهار، والرياحين وان هذا الإدراك ... لا يتم إلا بعد قراءة كثير من المشاعر والأحاسيس. فالتشخيص هنا دافئ حميم فيه

(1) ينظر الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري أو عصر النهضة في الإسلام: 1/ 467.

(2) ينظر الصنوبري شاعر الطبيعة: د. عبد الرحمن عطيه - الدار العربية للكتاب - تونس ... 1981 - 93.

(3) ديوان الصنوبري: 498 ريم: الظبي الخالص البياض، ومرض الجفون يقصد هنا فتورها ونعاسها ... وهو مستحسن في العيون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت