حياة غنية لا تنضب ونار تتأرجح، وفي مناظرته هذه التي عقدها بين الورد، والنرجس أحسنا بهواه يميل مع الورد في البيت الأخير (1) بقوله:
إن ورد الخدود أحسن من ... عين بها صفرة من اليرقان
ولكن مع ذلك فإن النرجس يخطى لديه بمكانة رفيعة يعززها تناوله له في مواضع تفوق كثرة ما تناول به الأزهار الأخرى، فتعاطف معه تعاطفًا يدلنا على مدى شغفه به. وفي القصيدة الآتية التي أفردها للنرجس دعم لما اتجهنا اليه من تفضله له:
أرايت أحسن من عيون النرجس ... أم من تلاحظهن وسط المجلس
در تشقق عن يواقيت على ... قضب الزمرد فوق بسط السندس
أجفان كافور جبين بأعين ... من زعفران ناعمات الملمس
وكأنها أقمار ليل أحدقت ... بشوس دجن فوق غصن أملس
مغروقات من ترقرق ظلها ... ترنو رنو الناظر المتغرس
فإذا تغشتها الرياح تنفست ... عن مثل ريح المسك أي تنفس
وحكى تداني بعضها من بعضها ... يومًا تدانى مؤنس من مؤنس
وإذا نعست من المدام رايها ... ترنو إليك بأيمن لم تنعس
أفتلك أحسن أم أقاح مقمر ... بإزاء هناك البهار المشمس
يا أيها الساقي الذي لحظاته ... أضحت موكلة بقبض الأنفس
أوقعت قلبي بين لحظ مطمع ... في الود منك وبين لفظ مؤيس (2)
فهذه الأوصاف الجميلة وسلسلة التشبيهات المتتابعة إنما يهدف من ورائها إلى تأكيد تفضيله للنرجس، وهو بشخصه في صور محببة من النشاط ويفيض عليه ألوانًا ... من العواطف الإنسانية، كل ذلك ليدفعنا إلى قبول فكرة تفضيله للنرجس ... وعده زهرته المفضلة.
(1) ينظر مدار الكلمة دراسات نقدية: أمين البرت الريحاني - ط1 - دار الكتاب اللبناني- بيروت- لبنان- ... دار الكتاب المصري-القاهرة-1980 - 18.
(2) ديوان الصنوبري: 180.