ويبارؤنا بعد ذلك الشاعر أبن وكيع التنيسي شاعر الزهر والخمر بتلك المناظرة التي عقدها بين السوسن والمنثور ونصب نفسه حكمًا بينها ليعدد نواحي الفتنة والجمال وليقدم بعد انتهاء المناظرة النتائج التي توصل إليها كاشفًا عن براعته وحسه المرهف ودقة ملاحظته ورقة مشاعره، ويبدأ قصيدته بالدعوة إلى التوقف عند جمال الربيع الذي زهت فيه الأزهار وأعلنت مناظرتها .. ثم ينتقل إلى الترجمة عن الأزهار التي صنعت ذلك الجمال ... فالنرجس يتداخله الغرور والإعجاب بجماله فيبتسم ضاحكًا متطاولًا على الورد الذي يغتاظ لتعالي النرجس عليه فيحمر .. فيبدي الشقيق ويلطم خده حتى يصطبخ بحمرة كالحجر المضطرم ..
أما السوسن فلما رأى أن أزهار الربيع قد تنافست بألوانها وتباهت سارع إلى ارتداء اليواقيت الزرق كحلة له لينفرد بلونه وملبوسه فلا ينافسه أحد منها، وهذا أيضًا ... كان دافعًا للمنثور ليصبغ نفسه بألوان الربيع المتنوعة، فأتم بشكله وألوانه صورة الربيع. ولو كان هذا المنثور طويل العمر لتحلت به الملوك لجمال ألوانه وأتخذت منه خواتم في بنانها. يقول:
ألست ترى وشي الربيع المنمنما ... وما رصع الربعي فيه ونظما
فقد حكت الأرض السماء بنورها ... فلم أدر في التشبيه أيهما السما
فمن نرجس لما رأى حسن نفسه ... تداخله عجب بها فتبسما
وأبدى على الورد الجنى تطاولًا ... فأظهر غيظ الورد في خذه دما
وزهر شقيق نازع الورد فضله ... فزاد عليه الورد فضلًا وقدما
وظل لفرط الحزن يلطم خده ... فأظهر فيه اللطم جمرًا مضرمًا
ومن سوسن لما رأى الصبغ كله ... على كل أنوار الرياض تقسما
وألوان منثور تخالف شكلها ... فظل بها شكل الربيع متمما
جواهر لو قد طال فينا بقاؤها ... رأيت بها كل الملوك مختما (1)
(1) أبن وكيع التنيسي شاعر الزهر والخمر: 92 - 93.
الوشي: الثوب الكثير الألوان، ويريد هنا الورود المختلفة. المنمنم: المزخرف المزين. ... الربعي: المنسوب إلى الربيع، ويريد كل ما يظهر فيه من نبات وزهر. العجب: الكبرياء والإعجاب بالنفس، الجنى: الناضج المكتمل والرطب, الصبغ: اللون, محتم بها: أتخذها خاتما له.