فهرس الكتاب
ألا ترى الأرض تحتاج إلى قدر محدد من البذور كيما تنبت، فإذا كثر النبات بها. تخللها الفلاح باجتثات الزائد حتى يعطى البقية فرصة الإنماء والإثمار. كذلك النفس البشرية لا تزكو فيها المعانى إلا إذا أمكن تحديدها وتقديمها، أما مع كثرة الكلام وبعثرة الحقائق فإن السامع يتحول إلى إناء مغلق تسيل من حوله الكلمات مهما بلغت نفاستها. وللإطناب الممل أسباب معروفة منها سوء التحضير فإن الخطيب الذى يلقى الناس بالجزاف من الأحكام والتوجيهات لا يدرى بالضبط أين بلغ كلامه وهل وصل إلى حد الإقناع أم لا فيحمله ذلك على التكرار والإطالة.. وما يزداد من الجمهور إلا بعدا.. وقد تنشأ الإطالة عن سوء التقدير للوقت والمواقف فيظن الخطيب أن بحسبه أن يقول ما عنده وعلى الناس أن ينصتوا طوعا أو كرها وهذا خطأ ومما يحكى في قيمة الإيجاز أن أحد الرؤساء طلب منه إلقاء خطبة في بضع دقائق فقال:"أمهلونى أسبوعا"فقيل له: نريدها في ربع ساعة قال:"أستطع بعد يومين"قيل له: فإذا طلبناها في ساعة؟ قال:"فأنا مستعد الآن". إن الإيجاز يتطلب الموازنة والاختيار والمحو والإثبات، أما الكلام المرسل فالجهد العقلى فيه أقل والحقيقة أن خمس دقائق تستوعب علما كثيرا وعشر دقائق وخمس عشرة دقيقة تستوعب خطبة أو محاضرة جيدة. محمد الغزالى ص _024