الالوف من المنابر، ومئات الجامعات، وآلاف المدارس والمعاهد التى تمتلىء بها حوصلة عالمنا الإسلامي الآن، فهذه المنابر كلها ليست من ذاكم المنبر بسبب . ولو أننا سبرنا غور هذه المأساة فسنجد أنه راجع إلى تعدد نوعيات المنابر الحديثة، وتفرق دعاتها. لقد كان المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا، يصدع بأمر واحد، ويخاطب أمة واحدة كما أراد الله، وحين ذر قرن الفتنة وأنشأ بعض المنافقين منبرا آخر في طرف المدينة اعتبره القران مسجدا ضرارا، فقال:"والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل"وأمر الله بهدمه وإزالته، ووصف دعاته بأنهم ظالمون:"لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم"وبقيت للمنبر المحمدى مهابته ما بقيت له وحدته، لقد بقى مصدر إشعاع وهداية لجماهير الأمة المعتصمة بحبل الله. أما الآن فقد تفرق المسلمون شيعا، واتخذت كل شيعة لنفسها منبرا تمارس من فوقه فنون الدجل والشعوذة، ومهمة تمزيق الأمة الواحدة إلى أشلاء ممزعة، بعدد مزع الأهواء، لقد اختلفت رسالة المنبر على أصحآبها، وتناقض ما يدعون إليه. وليس من الممكن إصلاح حال أمتنا إلا بالعودة إلى المنبر الواحد الذى يستخدم لغة واحدة، ويصدر عن فكر واحد، هو الفكر المحمدى، إن صح التعبير، وحينئذ تسقط كل منابر الضرار، منابر الريبة والتفريق. وأمر آخر لشق علينا آن نذكره في هذا الصدد، لقد فقد المنبر في أرجاء كثيرة من العالم الإسلامي فعاليته حين أصيب بالجمود، وتحول ارتقاؤه إلى حرفة يتوسل بها إلى الارتزاق، فحلت اللقمة فيه محل الفكرة، ولم يعد الخطيب يبحث عن جديد يتزود به، بل حسبه أن يقرأ ص _005