تدور حول محور أعمق، وتتجه إلى أهداف أبعد، ومع أنها نزلت من أربعة عشر قرنا وأحاطت بنزولها مناسبات خاصة إلا أن هذه السورة لا تزال تزكى مشاعر نحن بحاجة اليوم إلى إزكائها، وتقرر أحكاما نحن بحاجة اليوم إلى تقريرها. والسورة عند النظر السريع تتكون من ثلاثة أقسام. قسمها الأول نزل في السنة الثامنة من الهجرة ـ قبيل فتح مكة ـ في نفس الاستعداد للفتح والنفير العام الذى عبئت فيه قوى المسلمين في المدينة كى يستعدوا لهذا الفتح، أما وسط السورة المتعلق باسمها ـ وهو الممتحنة ـ فإنه نزل في السنة السادسة أوائل السابعة بعد معاهدة الحديبية. وأما آخر السورة فنزل بعد فتح مكة في السنة الثامنة. وهذا ترتيب غريب في السورة أن يكون أولها في صدر الثامنة، وآخرها بعد الثامنة، ووسطها قبل السابعة!! ولكن الذى استيقنا منه أن المصحف الذى نقرؤه الآن على الترتيب الموجود عليه هو هو المصحف بترتيبه في سجل اللوح المحفوظ عند رب العالمين، ولكن ينزل منه أو نزل منه أول ما نزل وفق المناسبات التى تتطلب توجيها خاصا وهداية معينة، فإذا نزلت هذه الهدايات تلبية للمناسبات التى طلبتها فإن صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم يأمر بوضع الآيات في المكان الذى يلهمه الله أن يأمر بوضعها فيه وفق ترتيب المصحف عند رب العالمين. إن الواحد منكم قد يفتح المصحف فيقرأ أول ما يقرأ فاتحة الكتاب وهو يعلم أنها نزلت بعد المدثر، ويقرأ بعدها سورة البقرة وهو يعلم أنها نزلت بعد فاتحة الكتاب بأكثر من ثلاث عشرة سنة أى في العهد الأول للهجرة، لكن هذا النزول المتأخر غير الترتيب عند الله في اللوح المحفوظ بدليل أن قارئ الفاتحة يدعو في ختامها: (اهدنا الصراط المستقيم) ، وتجئ سورة البقرة بيانا لطريق الهدى فيقول جل شأنه: ص _233