الوحى، ثم قطعه قليلا عنه ليزداد شوقا إليه، ويزداد تهيؤا لاستقباله، ويزداد تشوقا إلى مطالعه عندما يجئ ولكنه أحس شيئا من الكرب عندما انقطع الوحى.. فطمأنه رب العالمين أن لا مكان للحزن وللكرب في حياته ين هذه الناحية، قال له لا تظن أنى هجرتك، أو تركتك، أو حولت نعمتى عنك.. (ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى) ثم بين له كيف أنه رعاه من غير سؤال، وكيف أنه أشرف على تربيته وتوجيهه من غير طلب، وكيف أنه صنعه لنفسه، فقال مفصلا هذه المعانى: (ألم يجدك يتيما فآوى) ، آواك والإيواء هنا ليس الإيواء الحسى لتدبير الكفالة له فقط.. ولكنه الإيواء المعنوى الذى يتضمن الإشراف على تربيته وتكوينه: (ووجدك ضالا فهدى) أقف قليلا عند هذه الكلمة.. أى وجدك حائرا لا تدرى الحق ولا تعرف طريقا إليه، والضلال في اللغة العربية يعنى الحيرة، ويعنى الذهول، ويعنى النسيان.. (لا يضل ربي ولا ينسى) ، (00 أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) . الضلال: الحيرة.. وفعلا كان النبى صلى الله عليه وسلم حائرا.. وآية: (ووجدك ضالا فهدى) فضلت في سورة الانشراح بعد ذلك.. إذ قال الله له: (ألم نشرح لك صدرك) من أثر الحيرة، من أثر النظر في شئون الناس، وأحوال الدنيا، والعودة من هذا النظر بغير شئ.. كل هذا ضيق صدرك، وكأنك تحمل على ظهرك حملا يكاد يقطعه، يكاد يقصمه.. لأن الرجل الكبير الجليل عندما يشعر بالحيرة لأنه عاجز عن أن يصنع شيئا، أو أن يخرج من الظلمات التى تحيط به، فإنه يتعب نفسيا جدا تعبا يكاد يرهق أعصابه ويمزق كيانه.. فكلمة: (ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك) هى هى التى قيلت في آية أخرى: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ) ص _224