يألفوا الراحة والخمول.. الهوى خفيف على الأنفس، حلو المذاق.. لكن الحق ثقيل على الأنفس.. فيه مرارة الدواء، فيه متاعب الجد.. ولذلك في أوائل الوحى قيل له: ما مضى مضى.. أما الآن فأمامك سهر طويل: (يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا * إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) هذا القول الثقيل يتضمن الحقائق المرة: ** عقيدة التوحيد كم يضيق بها المعددون والمشركون؟ ** مسئولية النفس الإنسانية عن سلوكها وعن عملها.. م يضيق بها عباد القرابين، وأصحاب المزاعم في أن الله يحتاج إلى كفارات من الدماء البشرية، أو الدماء الإلهية إن صح التعبير كى يرضى عن خلقه؟! لكن هذا الحق الثقيل يحتاج إلى رجال ذوى مناكب أيدة كى يحملوه بصلابة، وكى يطوفوا الآفاق به دون إعياء أو انقطاع. وتقرأ"سورة المدثر"وهى بعد المزمل ومن أوائل ما نزل.. فتجد أمارات الحدة في الوحى الخاتم.. لأنه يبين للنبى عليه الصلاة والسلام معالم طريقه كى يقود الناس فيها: (يا أيها المدثر * قم فأنذر) انتصب لتعلم الناس ما لم يعلموا.. إن جماهير كثيفة شردت عن الطريق، وأنت مكلف أن تعود بها إلى الصراط المستقيم: (قم فأنذر * وربك فكبر) .. إن الناس عبدوا الأوهام، وقدسوا الأصنام.. ولكن أنت اربط تعظيمك وتقديسك، وعلم الناس معك أن خوفهم ورجاءهم وركوعهم! سجودهم وتوكلهم، وركونهم إنما يكون على الكبير المتوحد بالكبرياء (وثيابك فطهر) ، إن بعض الناس فسر الآية بأن تطهير الثياب هنا إنما هو تطهير للأخلاق وللكيان المعنوي للإنسان.. وهذا تفسير قد يقبله البعض، أما رأى فإن كلمة: (وثيابك فطهر) تعطى المنهج الجديد للإنسان.. كان التدين قبلا يعتبر التقشف والرهبانية ووساخة الأجساد.. يعتبر ذلك لونا من القربى إلى الله.. لكن الدين الجديد احترم الجسد الإنسانى، واعتبر طيب الجسد، وطهارة الجسد، وزينة الجسد، والرائحة الزكية في الجسد.. اعتبر