الصفحة 706 من 1147

تترك، بل يؤمن بأن الأمور بيد الله، وأن النتائج تتم بقدرة الله، وأن هناك بأسباب أخرى ليست في يد الإنسان، الله جل شأنه هو الذى يوفرها ويكثرها لمن أراد أن ينجح قصده. ولذلك قارن العلماء بين موقفين للنبى عليه الصلاة والسلام قالوا: في الغار عندما أحس أقدام المطاردين تقترب، وعندما بدأ أبو بكر رضى الله عنه يقلق ويشعر بالوجل، كان النبى عليه الصلاة والسلام يسكن روعه، ويبدد قلقه ويقول له:"ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما"قال العلماء: هذا الموقف يغاير الموقف في معركة"بدر"عندما أخذ النبى عليه الصلاة والسلام يتجه بقلبه ولبه إلى الله في ضراعة حارة، ودعاء متتابع، واستغاثة موصولة، يقول:"اللهم أنجز لى ما وعدتنى، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض"!! فمازال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه من منكبيه فأتاه أبو بكر.. وقال: يانبى الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك " . قال العلماء: ما السبب في تفاوت الموقفين هنا وهناك؟ وكان الجواب: أن النبى عليه الصلاة والسلام في الغار كان قد اتخذ الأسباب كلها، وأفرغ ما في طاقته عمليا، فاطمأن إلى أن الله هو الذى سيكفله وهو الذى سيحقق ما يصبو إليه من أمل في إنجاح الهجرة وبلوغها غايتها. أما فى"بدر"فإن الأسباب لما تكتمل من ناحية، وربما تعلقت الهمة بها، وعولت عليها، وانتظرت النصر منها، فأراد النبى صلى الله عليه وسلم أن يتجرد من هذه الأسباب، من الجيش الذى خرج إلى القتال، من العدو أو العدة اللتين أحاطا به عليه الصلاة والسلام، فكان دعاؤه، وكانت استغاثته، وكانت ضراعته، وكان استنصاره بالله جل، جلالة. الفارق بين المؤمن والكافر كلاهما يأخذ بالسبب، أما نحن المؤمنين فإننا نرى أن الأسباب أدوات للقدرة العليا، ومفاتيح لخزائن الرحمة الإلهية، وأن أى شئ انقطع عنه الإمداد الأعلى فإنه لا يصنع شيئا ص _234"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت