استطاع هذا النبى الكريم ـ بوحى الله، وبإشراق النبوة، وبصفاء الرسالة ـ أن يجمع العرب قبل أن يموت فما تركهم إلا وهم أمة: الحق روحها، والإخلاص هو الذى يدور في جهازها العصبى، والانطلاق لله هو الذى يحدوها تتحرك به أو تسكن، فجاءت دولة الخلافة، وكانت دولة التكوين للنواة الاسلامية، دولة الصراع مع الباطل، دولة التطبيق لمبادئ الإسلام وتعاليمه. ويلاحظ أن دولة الخلافة منحت المسلمين حقوقا رحبة، وفهم المسلمون ـ لأول مرة في تاريخ الدنيا ـ أن الحاكم ـ بلغة عصرنا ـ موظف عمومى، أجير للناس، يكدح لهم، ويأخذ مرتبه نظير عرق جبينه الذى يتصبب وهو يخدم الأمة ويسعى في مصالحها، وليس له حق مقدس، وليس له حق السمع والطاعة إلا فيما يرضى الله. وعرف عن دولة الخلافة الراشدة أنها وفرت للفرد امتداده المطلق، وعزته الموفورة، فكان الأمير يقول للناس:"أيها الناس: إنى قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينونى، وإن أسأت فقومونى". وعرف في تاريخ الدولة الراشدة أن المال كان لمصلحة الأمة جمعاء، فما توافر في بيت ليحتكر أو يستبد به أحد، وما ضاعت أسرة أو قبيلة من الناس وفى الأمة مال موفور. كانت الأمة الإسلامية تمثل الرشد السياسى في العالم يومئذ، ولم يعرف في تاريخ الأولين والآخرين عدل سياسى أو اجتماعى كالعدل الذى توافر للأفراد يومئذ !! إلا أن شيئا حدث يعتبره المؤرخون النقدة عيبا للجماهير، إن الجماهير ـ أحيانا ـ تخطئ في استغلال الحريات الكثيرة التى تمنحها، وربما أسرفت في استعمال هذه الحرية الى حد يسىء إلها، وبعض الملاحظين ص _029