المرحلة تميزت بأمور خطيرة، فإن الجنس الحاكم جنس تركى تعصب لتركيته لغة ودما، وبذلك وقعت فجوة غائرة عميقة بين الأتراك وبين الإسلام والجنس العربى والأجناس الأخرى. لِمَ؟ لأن الإسلام عربى في مصادره التربوية والتوجيهية والاجتماعية والسياسية، القرآن عربى ولا يمكن أن يتترك، والسنة عربية لأن الرسول عليه الصلاة والسلام عربى، ومصادر الثقافة الإسلامية عربية، وأحد أمرين: إما أن ينسلخ القائد الذى يقود المسلمين من تركيته ليكون عربيا ويقود العرب ويقود الإسلام والمسلمين، وإما أن يتخلى عن القيادة للقادرين عليها من العرب، وهذا ما لم يفعله الترك، ولذلك حدث ما يأتى: بدأ. المسلمون في أنحاء الأرض يضعفون ماديا وأدبيا، وبدأت مصابيح الثقافة تنطفئ في مدائن الإسلام وقراه، وفى الوقت الذى أخذ فيه عصر الإحياء يصعد بالأوربيين في سلم الترقى كان الحكم التركى يهبط بالمسلمين في سلم التردى، وبعدت مسافة الحضارة بين المسلمين من ناحية وبين الأوربيين من ناحية. صحيح أن الأتراك كانوا مسلمين متعصبين للدين، يحبونه ويسفكون دمهم من أجله، ولكن العاطفة وحدها لا تكفى في نصرة عقيدة ولا في إقامة دولة ولا في بناء حضارة.. لقد رووا أن جنديا تركيا كان ينام يوما، فصحا في جوف الليل فوجد قدميه تتجهان إلى نافذة فيها مصحف، ففزع الرجل ووقف طول الليل على قدميه شاهرا سيفه يقول: مصحف شريف ! الرجل خاف على نفسه من الله أو ظن أن اتجاه أقدامه إلى المصحف كفر! فكانت النتيجة أن استيقظ طول الليل وترجم عن حبه أو عن إكرامه للمصحف بهذا الأسلوب، كان الأتراك متدينين، وعندما أعيد الأذان إلى بلادهم من بضع سنين كانوا يبكون في الشوارع ! لكن العاطفة الدينية لا تكفى، بل يجب مع العاطفة أن يكون هناك عقل نير وعلم واسع ، وتجربة ص _034