ولأمر ما نزل القرآن منجما على ثلاث وعشرين سنة، فقد تجاوب مع الأحداث وأصاب مواقع التوجيه إصابة رائعة . ولما كان القرآن شفاء للعلل الاجتماعية الشائعة فإن الخطيب يجب عليه أن يشخص الداء الذى يواجهه وأن يتعرف على حقيقته بدقة، فإذا عرفه واستبان أغراضه وأخطاره رجع إلى الكتاب والسنة فنقل الدواء إلى موضع المرض، وذلك يحتاج إلى بصيرة وحذق فإن الواعظ القاصر قد يجيء بدواء غير مناسب فلا يوفق في علاج، وربما أخطأ ابتداء في تحديد العلة فجاءت خطبته لغوا وإن كانت تتضمن مختلف النصوص الصحيحة. 6- هناك طائفة من الأحاديث تسوق الأجزية الكبيرة على الأعمال الصغيرة.. وقد قرر العلماء المحققون أن هذه الأحاديث ليست على ما يفهم منها لأول وهلة.. وأن ما فيها من أجزية ضخمة إنما هو لأهل الشرف في العبادة وأهل الصدق في الإقبال على الله. وليس ذلك للأعمال الصغيرة التى اقترنت بها. ومن هنا لا يجوز للخطيب أن يضمن خطبته هذه الأحاديث سردا مجردا فيحدث فوضى في ميدان التكاليف الشرعية ولكن إذا قضى ظرف بذكر هذه الأحاديث ذكرها مع شروحها الصحيحة. 7- تقوم التربية الدينية على بيان الجوانب الخلقية والاجتماعية في الإسلام وشرح ما يقترن بالخير والشر من معان حسنة أو سيئة، ومن عواقب حميدة أو ذميمة ، ولا بأس من التعريج على الأجزية الأخروية وعرض ما أعده الله في الآخرة للأبرار والفجار بيد أن الإسهاب والتفصيل في ذكر الأجزية المغيبة لا لزوم له ويكتفى بالإلماح إلى ما جاء في القرآن والسنة عن ذلك دون تطويل وتعمق. 8- من الخير أن تتضمن خطبة الجمعة أحيانا شيئا من أمجاد المسلمين الأولين الثقافية والسياسية وتنويها بالحضارة اليانعة التى أقامها الإسلام في العالم مع الإشارة إلى أن ينابيع هذه الحضارة تفجرت من الحركة العقلية التى أحدثها القرآن الكريم واليقظة الإنسانية التى صنعها الرسول صلى الله عليه وسلم ويكون الغرض من هذه الخطب- على اختلاف