، قال الطبري رحمه الله:"أي فما شأنكم أيها المؤمنون في أهل النفاق فئتين مختلفين والله أركسهم بما كسبوا، يعني والله ردهم في أحكام الشرك في إباحة دمائهم وسبي ذراريهم". [1]
وعند ابن القيم في زاد المعاد قال الزهري وعاصم بن عمرو ومحمد بن يحي بن حبان وغيرهم:"كان يوم أُحد يوم بلاء وتمحيص اختبر الله عز وجل به المؤمنين وأظهر به المنافقين ممن كان يظهر الإسلام بلسانه وهو مستخفٍ بالكفر".
وإن أهل الحق من المجاهدين لا يلتفتون إلى من خلفهم من خُذّلٍ ومنهزمين وانبطاحيين ومنافقين مهما بلغ عددهم إن هم أخلصوا نيتهم مع الله عز وجل وتوكلوا عليه، بعد بذل السعة بالأخذ بأسباب النصر.
ثانيا: مع فعل كرام الشيم عظام الهمم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومدى تأثرهم بتلك الكارثة العظيمة التي أطلت عليهم بقرونها فجأة بردة ثلث الجيش على أعقابهم وفيهم إخوانهم وأبناء عمومتهم ورجال عشائرهم، الواضح والحمد لله أنه لم يكن ثمة تأثير حقيقي يذكر باستثناء ما هَمَّ به طائفتان من المؤمنين هم بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج.
قال الله تعالى: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ} ، قال الطبري رحمه الله:"هَمُّوا بالرجوع حين رجع عبدالله بن أبيّ فعصمهم الله"، قال جابر بن عبدالله:"وما يسرني أنها لم تنزل لقول الله: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} "، فلم يكن لهذا الإرجاف الصعب الخطير الشأن في بقية الجيش النبوي أي أثر، بل لم ينشغلوا حينها بجدل عقيم عن أسباب الحدث ولا تداعياته المستقبلية والحالية، بل رصوا الصفوف وشحذوا الهمم وتوجهوا إلى مولاهم وناصرهم بالدعاء، وامتثلوا لأمر الله ونبيه أحسن ما يكون، وكانت منهم بعد الحدث مظاهر همة ونشاط بائنة.
وأراد القائد أن يستكشف هذه الحماسة الرائعة الوقادة فقال:"من يأخذ هذا السيف بحقه؟"فقام إليه رجال ليأخذوه، وأخذه أبو دجانة ومشى به يتبختر بين الصفين، فقال رسول الله صلى الله
(1) يجدر الإشارة هنا إلى حال الأمة الإسلامية في هذا الزمان وقد كثر بها أشباه الرجال المتفيقهين والمتسلقين سلم الجهل ممن ينادون بالاعتدال، وهو في حقيقة أمره انهزام مهين، يصورون للناس أن الجهاد في سبيل الله اعتداء على الكفار، وكأن الغرب الكافر كان مسالما ومن ثم قام المجاهدون بالاعتداء عليه في بلاده فكيف يكون هذا وبلاد المسلمين يرتع بها المحتل وأعوانه من أهل الردة ممن ينسبون أنفسهم للإسلام كأمثال ابن سلول لعنه الله.