هذا ولقد كانت حياة الصحابة الكرام في الدولة النبوية حياة خوف ووجل وترقب وحذر دائم وخاصة في مرحلة تأسيسها الأولى وأيام المحن، ففي الصحيح عن أنس رضي الله عنه قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، قال: ولقد فزع أهل المدينة ليلة سمعوا صوتًا، قال: فتلقاهم النبي صلى الله عليه وسلم على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ [1] وهو متقلد سيفه فقال:"لم تُراعوا، لم تراعوا [2] "، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وجدت بحرًا"يعني الفرس".
فدل استنفار الناس لأجل الصوت أنهم كانوا يفزعون ويستنفرون لأدنى خطر ولو كان احتماليًا، كصوت صخرة وقعت من قمة جبل وهو ما يشابه اليوم أصوات الانفجارات التي يحدثها العدو -أبعده الله-.
وهكذا الأمة إذا كانت في حالة حرب وقرب من العدو وتوقع مداهمة وهجوم في أي لحظة ينبغي لها أن تتعامل مع الخطر ولا تتجاهله، قال المهلب رحمه الله:"ولكن النبي لما رأى الفزع المستقبلي علم أنه ليس يُكاد لما أخبره الله في قوله: (والله يعصمك من الناس) ". اهـ
وهنا فائدة هامة خاصة بالأمير أو الإمام قال ابن بطال رحمه الله:"وجملة ذلك أن الإمام ليس له أن يسخو بنفسه لأن في ذلك نظما ً للمسلمين وجمعا ً لكلمتهم". وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أول قدومه المدينة يرهق نفسه في حراسة نفسه حذرا ً من الأعداء وأخذا ً بالأسباب إلى أن نزل قوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) ، ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم سَهِرًا فلما قدم المدينة قال:"ليت رجلا ً من أصحابي صالحا ً يحرسني الليلة"، إذ سمعنا صوت سلاح، فقال:"من هذا؟"، فقال:"أنا سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك"، ونام النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية حتى سمعنا غطيطه، وهذا مما يؤكد على أهمية الحراسة والحذر من العدو، وعند النسائي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما قدم المدينة يسهر من الليل.
(1) عري يعني لا سرج له.
(2) لم تراعوا وفي رواية لن تراعوا كما عند البيهقي وتعني أن ليس هناك ما يروعكم ويضركم
قال الإمام النووي رحمه الله (وفيه جواز سبق الإنسان وحده في كشف أخبار العدو ما لم يتحقق الهلاك)