قال ابن بطال رحمه الله:"فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نزل بأصحابه من الحمى والوباء خشي كراهية البلد لما في النفوس من استثقال ما تكرهه، فدعا الله في رفع الوباء عنهم وأن يحبب إليهم المدينة كحبهم مكة أو أشد".
فهذه حمى المدينة ضربت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أن عائشة رضي الله عنها تقول عن أبيها وبلال:"فقلت يا رسول الله إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى"، وأن بعض من هاجر إليها نكص على عقبيه ولم يتحمل وباء المدينة، كما ثبت في الصحيحين واللفظ لمسلم أن نفرًا من عُقلٍ ثمانية قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا الأرض وسقمت أجسادهم، وعند البخاري فاجتبوا المدينة وعند أحمد، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم أهل ضرع ٍ ولم يكونوا أهل ريف و شكوا حمى المدينة.
وفي الصحيح عن جابر بن عبدالله أن أعرابيًا بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فأصاب الأعرابي وعك ٌ بالمدينة، فأتى الأعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"يا رسول الله أقلني بيعتي"، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم [1] .
مما سبق يتبين أن الأرض التي اختارها الله لهجرة نبيه وإقامة دينه كانت أرضًا شديدة الوباء آجلة الماء، حتى أن كبار الصحابة كبلال رضي الله عنه استعظم بلاءها ودعا على من كان سببًا في المجيء إليها من الكفار، وهو من هو في تحمل البلاء، ومع ذلك لم يكن هذا الوباء وذلك البلاء أبدًا ليجيز لأحد أن يترك دار الهجرة ويرتد على عقبيه كما في قصة العقليين والأعرابي السابقتين.
وبقي الصبر على بلاء المدينة من علامات سعادة المرء حتى بعد موت رسول الله صلى الله عليه سلم، ففي صحيح مسلم: (عن أبي سعيد مولى المهري أنه جاء أبا سعيد الخدري ليالي الحَرَّة فاستشاره في الجلاء من المدينة، وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله وأخبره أنه لاصبر له على جهد المدينة و لأوائها، فقال:"ويحك لا آمرك بذلك، أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لا يصبر أحد على لأوائها فيموت إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة إذا كان مسلمًا") ."
(1) وقد اخرج البخاري والنسائي والإمام مالك بعد هذا الحديث قول الرسول عليه الصلاة والسلام المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها وأخرج الإمام البخاري في صحيحه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير الخبث) .