بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله مالك الملك، المتنزه عن الجور، والمتكبر عن الظلم، المتفرد بالبقاء، السامع لكل شكوى، و الكاشف لكل بلوى، والصلاة والسلام على من بُعث بالدلائل الواضحة والحجج القاطعة بشيرا ًونذيرا ًوداعيا ً إلى الله بإذنه وسراجًا منيرا ً.
أما بعد ..
فلا بد أن يعلم كل موحد أن كل ملل الكفر على اختلاف مشاربها و مناهجها و تضارب مصالحها تدرك جميعا ً أن وصول الجهاد في مكانٍ ما إلى مرحلة الحكمِ، حكمِ الله في الأرض وإعادة الخلافة الإسلامية أمر خطير دونه خرط القتاد وشلالات الدماء، وهي القضية التي أجمعوا أنه لايمكن السماح بها أو المهادنة فيها، فسخروا لذلك كل وسيلة ممكنة ضاربين عرض الحائط كل المبادئ الأخلاقية والمحسنات الجمالية التي طالما دجلوا بها على عباد الله المستضعفين، ولأننا وللأسف جيل ٌ ولد ونشأ في ظل حكم الذل والخنوع، وبعدت عنا كل معاني العزة والكرامة، ونسينا مجدنا و تاريخ بنائه، كان لابد لنا أن نعود قليلًا إليه وخاصة إلى ما هو متعلق بمفهوم الدولة النبوية و ظروف نشأتها، ولأنه قد انطبع عند كثير منا أن مفهوم الدولة الإسلامية هو نفس مفهوم الدولة الطاغوتية التي رسمها سايكس بيكو دولة صدام والأسد واللامبارك.
وبعضنا يفهم خطأ أن مفهوم الدولة التي ينبغي قيامها وإعلانها هي دولة الرشيد، يخاطب فيها السحابة في السماء ويغرف الذهب كالماء ويرسل الجيوش التي أولها عند عدوه وآخرها في بغداد، فهيا بنا نتجه إلى المدينة النبوية لنرقب ولو شيئًا يسيرًا من حركة بناء الدولة النبوية، وهل كانت المدينة فحسب ملاذا ً آمنًا يأوي إليها المستضعفون من المؤمنين؟ أم أنه عهد جديد من التضحية بالنفس والمال، وفصل ٌ آخر من فصول الفقر والخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات؟ ونريد أن نعرف هل قامت الدولة النبوية أول ما قامت قويةً راسخة متينة لا تهزها الريح ولا تأخذ فيها الفتن؟ أم أن القلوب بلغت الحناجر وظنَّ الناس بربهم الظنون؟