بعض أوقات الشدة التي هددت الدولة النبوية: ولقد مرت بالدولة النبوية أوقات محنة شديدة بالغة القسوة عظيمة الأثر، ومن ذلك ما حدث يوم أحد، فعند الطبري وغيره قال:"خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني حين خرج إلى أحد- في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة انخذل عنهم عبدالله بن أبي بن سلول بثلث الناس وقال:"أطاعهم فخرج وعصاني، والله ما ندري على ما نقتل أنفسنا هاهنا"، فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول:"يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند ما حضر من عدوهم"، فقالوا:"لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكنا لا نرى أن يكون قتال"، فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم قال:"أبعدكم الله أعداءَ الله فسيغني الله عنكم"ومضى لرسول الله صلى الله عليه وسلم. [1] "
وفي هذه الحادثة وقفات هامة:
أولًا: مع الفاجعة العظيمة والموقف العسكري الحرج والخطير الذي أحدثه انسحاب ثلث الجيش، وما يترتب عليه من اضطراب للخطط وخلخلة في الصفوف مع النقص الحاد في العدد والعدة، وحدث ذلك بمنطقة الشوط أي بالقرب من ميدان المعركة وعلى مشهد من الفريقين متقاتلين، وأخطر ما في هذا التصرف وأعظمه وقعًا أن الصحابة الكرام اكتشفوا فجأة أن ثلث جيشهم على أقل تقدير لم يكونوا مسلمين بل كانوا كفارًا منافقين يظهرون الحب و الولاء والنصرة ويبطنون العداوة والبغضاء والحرب، قال الله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} ، وقال سبحانه: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا} ، وسبب نزول الآية كما في الصحيحين عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال:"لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أُحُد رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين فرقة تقول نقاتلهم وفرقة تقول لا نقاتلهم فنزلت: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا ْ} الحديث"
(1) وعلى ذلك نزل قول الله عز وجل وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ] آل عمران:167 [.