الصفحة 34 من 37

وذلك بصدق إيمانهم وحسن بلائهم وصبرهم على أمر الله وتوكلهم عليه، (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) ، هذا وينبغي أن تعلم أن المسلمين لم يكونوا قد استعدوا اقتصاديًا لهذه المعركة الشرسة أو استعدوا ولم يكن عندهم ما يكفي أو يسد الرمق، فقد شرعوا في حفر الخندق وليس عندهم ما يأكلون ويسد غائلة الجوع، مع أنهم قوم هم أهل زرع ولكن اشتغلوا بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبت في سبب نزوله قوله تعالى: (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال:"أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية على هذا التأويل وإنما أنزلت فينا معشر الأنصار إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصريه قال بعضنا لبعضنا سرًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت فلو أن أقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها فرد الله علينا ما هممنا به قال فأنزل الله عز وجل: (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) فكانت التهلكة في الإقامة على أموالنا التي أردنا، فأَمَرَنا بالغزو".

فما صفة طعامهم يومئذ؟ ففي الصحيح عن أنس رضي الله عنه أنهم كانوا يأتون بملء كف من الشعير فيصنع لهم بإهالة سنخة توضع بين يدي القوم، والقوم جياع وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن، ولقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه جوع يفتت الكبد ويدمع العين، قال أنس رضي الله عنه كما في الصحيح:"إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا:"هذه كدية عرضت في الخندق"، فقال:"أنا نازل". ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا".

وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم مر على المهاجرين والأنصار وهم يحفرون في غداة باردة فلما رأى ما بهم من النصب والجوع، قال:"اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة"، فقالوا مجيبين له:"نحن الذين بايعوا محمدا .. على الجهاد ما بقينا أبدا".

وبعد هذا نسأل أولئك المتكلمين عن الدولة الإسلامية بمفهوم سايكس بيكو: كم هي مساحة الدولة النبوية في المدينة؟ ثم كم كانت هذه المساحة أيام الأحزاب، خاصة بعد نقض يهود قريظة العهد؟ وهل كانت الدولة الإسلامية ما زالت باقية؟ ولماذا؟ وهل يمكن أن تكون هذه الصورة هي الحد الأدنى للقوة التي يجب أن تكون عليها الدولة الإسلامية ومساحتها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت