فهرس الكتاب
وقلدوهم في فروع الحلال والحرام ولم يعتقدوا شيئًا من بدع أهل الأهواء الضالة. وهؤلاء هم الذين سمتهم الصوفية حشو الجنة (انتهى) [1] .
وتميز أهل السنة ببعدهم عن الغلو وميلهم إلى الاقتداء الصحيح بما كان عليه سلف الأمة من وسطية واعتدال فهم لم يتشددوا تشدد الخوارج ولم يتنصلوا تنصل كثير من فرق الشيعة تحت غطاء التقية, واستطاعوا بوسطيتهم هذه أن يحفظوا لنا شعائر الدين الحنيف وأن ينقوها من الغلو المذموم.
وبوسعي أن أقول أن أهل السنة إذا ما قورنوا بغيرهم من فرق المسلمين فإنهم كانوا ولا يزالون يشكلون قوة كبرى تعمل على تثبيت كفة العقيدة الصحيحة إزاء التيارات المنحرفة.
مكانة الصحابة - رضي الله عنهم - عند أهل السنة
تميز موقف أهل السنة والجماعة عن مواقف جميع الفرق الإسلامية في نظرتهم إلى الصحابة - رضي الله عنهم - , فكل فرقة من تلك الفرق نراها قد نالت من الصحابة - رضي الله عنهم - بطريقة أو بأخرى على التفصيل الذي ذكرناه سابقًا. فمنهم من اتهمهم بالارتداد عن دين الله تعالى, ومنهم من اتهمهم بالمكر والخداع والنفاق ومنهم من اتهمهم بتحريف القرآن, أو بممالئة الظالمين إلى آخر تلك الاتهامات, بينما يرى أهل السنة والجماعة أن الصحابة - رضي الله عنهم - هم القدوة الحسنة وهم أشبه ما يكون بالمرآة التي تعكس للأجيال اللاحقة حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وضعوهم في مكانهم الذي ارتضاه الله تعالى لهم من غير إفراط ولا تفريط, فلم يبالغوا فيهم ولم يدعوا فيهم العصمة ولا تلقي العلم اللدني عن الله تعالى, ولم يعلنوا مسؤولية التشريع واقفة عند حدودهم , بل هم بشر كسائر الناس سوى أن الله تعالى قد كرمهم بصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وشرفهم بحمل تعاليمه ونشر دعوته وتبليغها للعالمين, فهم حلقة الوصل فإذا انفصمت عن المصدر الرئيس للتشريع نكون قد فقدنا النبراس الذي نهتدي به.
لذا لم يفرط أهل السنة بحقهم ولم يتهموهم بالكفر والنفاق والإصرار على الكبائر, وفيما يلي تفصيل لهذا الإجمال.
يقول الإمام الطحاوي: (ونحب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم, ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان) [2] .
(فأهل السنة يوالونهم كلهم, وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها, بالعدل والإنصاف, لا بالهوى والتعصب, فإن ذلك كله من البغي الذي هو مجاوزة الحد) [3] .
(وأجمع أهل السنة على إيمان المهاجرين والأنصار من الصحابة - رضي الله عنهم -) [4]
(ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه الطاهرات من كل دنس, وذرياته المقدسين من كل رجس فقد برئ من النفاق) [5] .
وأهل السنة يرون أن أفضل الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة [6] ومن أكفر واحدًا من الصحابة - رضي الله عنهم - فهو كافر لا شك في كفره.
حكم سب الصحابة - رضي الله عنهم - عند أهل السنة
أجمع أهل السنة - كما قلنا سابقًا- على عدالة الصحابة - رضي الله عنهم - , من لابس الفتن منهم ومن لم يلابسها. ولم يجعلوا من أنفسهم حكامًا عليهم بل التمسوا لهم الأعذار وأكنوا لهم المودة. يقول ابن كثير: (وأما ما شجر بينهم بعده - صلى الله عليه وسلم - فمنه ما وقع من غير قصد, كيوم الجمل, ومنه ما كان عن اجتهاد كيوم صفين, والاجتهاد يخطئ ويصيب ولكن صاحبه معذور إن أخطأ ومأجور أيضًا وأما المصيب فله أجران اثنان وكان علي وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين) [7] .
(1) المصدر السابق: 303.
(2) مختصر شرح العقيدة الطحاوية: 295.
(3) المصدر السابق: 299.
(4) الفرق بين الفرق: 352.
(5) مختصر شرح العقيدة الطحاوية: 316
(6) الباعث الحثيث, ابن كثير: 183
(7) حكم سب الصحابة , أبو معاوية بن محمد: 12.