الصفحة 42 من 159

وقال ابن عباس رضي الله عنهما موضحًا دور الصحابة - رضي الله عنهم - وجهادهم في نشر الإسلام وإرساء دعائمه: (إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه خص نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - بصحبة آثروه على الأنفس والأموال وبذلوا النفوس دونه في كل حال ووصفهم في كتابه فقال: رحماء بينهم فقاموا بمعالم الدين وناصحوا الاجتهاد للمسلمين حتى تهذبت طرقه وأسبابه وظهرت آلاء الله واستقر دينه, ووضحت أعلامه وأذل الله بهم الشرك وأزال رؤوسه ومحا دعائمه وصارت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزاكية والأرواح الطاهرة العالية, فقد كانوا في الحياة أولياء وكانوا بعد الموت أحياء وكانوا لعباد الله نصحاء وصلوا إلى الآخرة قبل إن يصلوا إليها وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها) [1]

فإذا كان ابن عباس رضوان الله عليه- وهو من هو بين الصحابة - رضي الله عنهم - ينظر إليهم بعين الإجلال هذه ويحتفظ لهم في قلبه بهذه المنزلة الرفيعة فما أحرانا نحن بأن نحترمهم ونتولاهم ونتقرب إلى الله بحبهم. وقد أدرك هذه الحقيقة شيخ من شيوخ الزيدية في اليمن وهو الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة بن سليمان بن حمزة وهو من علماء القرن السابع نقل ذلك عنه عالم الزيدية في القرن التاسع عشر السيد عمرو بن إبراهيم بن المرتضى الوزير (757 - 840) في كتابه (الروض الباسم) [2] فذكر طبقة الدهماء من الصحابة - رضي الله عنهم - وعوامهم فقال: (إن أكثرهم تساهلًا في أمر الدين ممن يتجاسر على الإقدام على الكبائر لاسيما معصية الزنا ... وذلك دليل خفة الإيمان ونقصان الديانة لكنا نظرنا في حالهم فوجدناهم فعلوا ما لا يفعله من المتأخرين إلا أهل الورع الشحيح والخوف العظيم, ومن يضرب بصلاحه المثل, ويتقرب بحبه إلى الله عز وجل وذلك أنهم بذلوا أرواحهم في مرضاة رب العالمين وليس يفعل ذلك إلا من يحق له منصب الإمامة من أهل التقوى واليقين) [3] .

أي أن أقل الصحابة - رضي الله عنهم - تمسكًا بهدي الإسلام ممن قد يقعون في حدود الله وسرعان ما يستيقظ ضميرهم فيعترفون ولو كان في اعترافهم ذهاب حياتهم مما

(1) مروج الذهب للمسعودي: 3/ 61 - 62.

(2) الروض الباسم للمرتضى الوزير: 1/ 52 - 56.

(3) المنتقى من منهاج الاعتدال: 601.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت