فهرس الكتاب
وقد لاحظ اثر تلك العواطف والميول على بعض الإخباريين بعض الباحثين من غير المسلمين أيضًا, فقد ذكر المستشرق فلهاوزن أن أبا مخنف لم يستطع أن يتجرد تمامًا من عواطفه (وقد أغفل في بعض الأحيان شيئًا مما لا يعجبه, كإغفاله مثلًا أن عقيل بن أبي طالب كان في موقعة صفين يحارب في صفوف أعداء أخيه علي بن أبي طالب) [1] .
فإذا كان تاريخ الطبري الذي يعد من خيرة كتب التاريخ الإسلامي على هذا المستوى فما بالك بالكتب الأخرى التي تعد عالة على تاريخ الطبري. ومما زاد من صعوبة اكتناه الحقائق لتاريخ صدر الإسلام والدولة الأموية هو انه لم يتم أو بالأصح لم تبدأ مرحلة التدوين في التاريخ الإسلامي إلا في أواخر الدولة الأموية, ثم انتقلت الخلافة إلى بني العباس فلم يكونوا حريصين على إظهار بني أمية بمظهرهم الحقيقي كما كان بعض الناس على عهدهم (يتملقون الحكام بتشويه محاسن بني أمية) [2] .
وقد فهم المستشرق فلهاوزن هذه الحقيقة جيدًا حين قال: (أما روح هذا المأثور الشامي فيستطيع الإنسان أن يعرفه أحسن معرفة إذا رجع إلى كتب التاريخ النصرانية خصوصًا كتاب الصلة لتاريخ ايزيدور فالأمويون في هذه الكتب النصرانية يظهرون في ضوء آخر مغاير كل المغايرة في الكتب الأخرى, وهو يظهرون على صورة أحسن بكثير من الصورة التي اعتدنا أن نراهم عليها. أما في كتب التاريخ العربي فقد كانت الكلمة الأخيرة لأعدائهم وقد ألحق ذلك بتاريخهم ضررًا كبيرًا) [3] .
لا أقصد من سوقي لكلام فلهاوزن حول التواريخ النصرانية أن نعتمد عليها في دراسة قضايانا الإسلامية وإنما قصدت فقط أن ظاهرة التحيز وعدم الدقة التي اتسمت بها كثير من نقولنا التاريخية قد لاحظها غيرنا لذا فالحاجة إلى مراجعة
(1) تاريخ الأمة العربية, فلهاوزن: المقدمة.
(2) المنتقى من منهاج الاعتدال: 245.
(3) تاريخ الأمة العربية: المقدمة ذ-ص