الصفحة 60 من 159

ثانيًا: اهتمام مدرسة المدينة بالإسناد على غرار دراسة الحديث, بينما اقتصرت المدرستان الأخريان على المتن دون السند غالبًا.

ثالثًا: كانت مدرسة المدينة تعتمد تثبيت تاريخ الحوادث وتأكيده, بينما لا نجد هذا في مدرستي البصرة والكوفة إلا في الحروب والوقائع وأخيرًا كان الاتجاه الإسلامي هو الغالب على مدرسة المدينة بينما غلب الاتجاه القبلي المحلي على المدرستين الأخيرتين) [1] .

أما المدرسة الرابعة أعني مدرسة بغداد فقد كان (الطابع العالمي هو السائد على دراساتها ... وذلك على أثر الازدهار الحضاري الذي رافق مختلف شؤون الحياة لدى العرب) [2] .

إذن فالأمة الإسلامية لم تخل من رجال, ولم تخل من مدارس كانت تعتمد المنهج العلمي الرصين في دراساتها, لكن والحق يقال أن المنهج العلمي لم يعتمد في كل المدارس التاريخية أو في كل النقول التاريخية بدقة مما أدى إلى ما نراه من الروايات المضطربة والأخبار المبالغ فيها مدحًا أو ذمًا وكذلك المكذوبة وما أكثرها.

وليت مدارس الكوفة والبصرة وبغداد تابعت مدرسة المدينة في إيرادها لأسانيد رواياتها التاريخية, فأعانتنا بذلك على التأكد من صحة تلك الروايات وخلصت تأريخنا من كثير من الروايات المكذوبة والمدسوسة فيه, للتشويش على سيرة بعض سلفنا الصالح ولتشويه تأريخ أمتنا بشكل عام.

ولا يعني هذا أن عدم إسناد تلك الروايات يسبغ عليها صفة القبول ويفيها من النظر فيها أو البحث عن صحتها ودرجتها فكثير منها يشهد أسلوبها ومضمونها بعدم صحتها لمخالفتها لواقع عصرها أو لصريح العقل أو لنص كتاب أو سنة صحيحة.

إذن فالنتيجة التي نخرج بها من هذا التمهيد هي: إن التزوير والتحريف وإعطاء المسائل أكبر من حجمها أو ما يسمى بالتضخيم إن صح التعبير كل ذلك قد وقع في التاريخ الإسلامي فلا بد لنا من التيقظ والحذر عند تناولنا لدراسة موضوع ما.

(1) دراسات في تاريخ الفكر العربي, خليل إبراهيم السامرائي: 210 - 211.

(2) المصدر السابق: 211

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت