فهرس الكتاب
وعلى هذا فلا أرى وجهًا لتعميم الشيخ محمد أبي زهرة حيث يقول: (فالرغبة إذن تستولي على مقياس الحسن والقبح في الأشياء والأفكار) [1] .
فإطلاق القول هكذا بلا تقييد فيه ظلم للحقيقة وأهلها, نعم إن الرغبة قد تستولي على ذوي النفس الضعيفة والنظر القصير, لكنها تقف عاجزة أمام ذوي البصائر والعزائم الذين يقولون الحق وإن كان مرًا. والذين يشهدون بالحق ولو على أنفسهم لأن الرغبة في جمع المال مثلًا لا تجعل السرقة حسنة حتى عند المجرمين.
ثالثًا: التعصب في تقليد السابقين:
ومن الأسباب التي تؤدي إلى اختلاف الناس في حكمهم على الأشياء التعصب لآراء تلقوها عن السابقين اكتسبت بمرور الزمن قداسة كبيرة دفعتهم إلى تبني هذه الأفكار بأي ثمن حتى إن اضطرهم الأمر إلى اصطناع الحجج لكي يظهروا ما تعصبوا له بمظهر الحقيقة, فكان بعض المتعصبين لا يتورعون عن الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أجل نصرة مذاهبهم , وعن هؤلاء المتعصبين يقول ابن عراق الكناني: (أصحاب الأهواء والبدع وضعوا أحاديث نصرة لمذاهبهم أو ثلبًا لمخالفيهم , روى أبن أبي حاتم في مقدمة كتاب الجرح والتعديل عن شيخ من الخوارج أنه كان يقول بعد ما تاب: أنظروا عمن تأخذون فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيرنا له حديثًا) [2] .
رابعًا: اختلاف المدارك والقدرات العقلية:
يتميز كل إنسان عن غيره بمداركه الخاصة وقدراته التي يتسم بها, تبعًا لما وهب من فطنة وذكاء, وما مر به من تجارب في حياته فإذا اختلفت المدارك والقدرات التي هي وسائل الإنسان في حكمه على الأشياء فمن الطبيعي أن تأتي الأحكام مختلفة تبعًا لذلك التفاوت العقلي. فمن الناس من يكون إدراكه نافدًا إلى حقيقة الأشياء ومنهم من يذهب به الوهم بعيدًا فيعشو عن الحقيقة والصواب. وبالتالي يزيد من الاختلاف ويبعد عن الائتلاف. هذه جملة من الأسباب التي تؤدي إلى
(1) تاريخ المذاهب الإسلامية: 8.
(2) تنزية الشريعة, ابن عراق: 1/ 11 - 12.