الصفحة 68 من 159

أجمع المسلمون على أن قول الصحابي في المسائل التي لا مجال فيها للاجتهاد حجة لأنه محمول على السماع من النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك اتفقوا على الأخذ بقول الصحابي إذا شاع ولم يعرف له مخالف. لأنه من باب الإجماع السكوتي [1] . وليس هذا محل كلامنا, إنما نحن بصدد التعرف إلى موقف العلماء من اختلافات الصحابة - رضي الله عنهم - فيما بينهم في المسائل الفقهية.

فقد ذهب الإمام مالك وأحمد في أحد قوليه والشافعي في قوله القديم وأكثر الحنفية إلى اعتبار قول الصحابي حجة مقدمة على القياس.

بينما ذهبت الظاهرية والإمامية وأكثر الزيدية وأحمد في أحد قوليه والشافعي في الجديد من أقواله إلى عدم اعتبار مذهب الصحابي حجة [2] .

وما نسب إلى الإمام الشافعي والإمام أحمد من عدم اعتبار قول الصحابي حجة لا يثبت أمام النقد كما ذكر الدكتور هاشم جميل إذ قال: (لكني رأيت في كتاب الأم للشافعي وهو الحاوي على مذهبه الجديد أن الشافعي يحتج بمذهب الصحابي الذي لا يعرف له مخالف, وعند اختلاف أقوالهم يأخذ منها)

ثم يعمم المسألة على الأئمة الأربعة فيقول: (فان الذي يبدو لي أن الغالب على الأئمة الأربعة هو عدم الخروج على أقوال الصحابة - رضي الله عنهم - , فهم لا يخرجون عنها إلا نادرًا) [3] .

أما ابن حزم فمع أنه (يعد الأخذ بقول الصحابي من غير حجة من السنة النبوية تقليدًا غير جائز في دين الله تعالى ... نجده كثير الذكر لأقوال الصحابة - رضي الله عنهم - بل إن كتبه الفقهية سواء كانت في الفروع أم كانت في الأصول تزخر بأقوال الصحابة - رضي الله عنهم - , وإذا قلنا إنها تشتمل على اكبر مجموعة تحوي أقوال الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عنهم لم نكن مبالغين) [4] .

اذن فجمهور العلماء يرون أن أقوال الصحابة - رضي الله عنهم - سنة متبعة, وأن أقوالهم ليست كأقوال سواهم لقربهم من عهد التنزيل وتورعهم من التقول بالباطل في دين الله تعالى.

(1) فواتح الرحموت, عبدالعلي محمد بن نظام الدين: 2/ 185.

(2) الأحكام, ابن حزم: 2/ 72 ومختصر المنتهى, العضد الأيجي: 2/ 287.

(3) الأحكام: 1/ 60.

(4) ابن حزم حياته وفقهه, محمد أبو زهرة: 483.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت