الصفحة 14 من 29

إن القمة التي كان المنهج القرآني ينقل خطى هذه الأمة لتبلغ إليها , هي قمة التجرد لله , والخلوص لدينه. وقمة المفاصلة على أساس العقيدة مع كل أواصر القربى وكل لذائذ الحياة. وكان هذا يتم من خلال ما يبثه المنهج القرآني من وعي لحقيقة الفوارق والفواصل بين منهج الله الذي يجعل الناس كلهم عبيدا لله وحده , ومنهج الجاهلية الذي يجعل الناس أربابا بعضهم لبعض. .

وهما منهجان لا يلتقيان. .

ولا يتعايشان. .

وبدون هذا الفقه الضروري لطبيعة هذا الدين وحقيقته , وطبيعة الجاهلية وحقيقتها ; لا يملك إنسان أن يقوم الأحكام الإسلامية , التي تقرر قواعد المعاملات والعلاقات بين المعسكر المسلم وسائر المعسكرات.

(وما كان المؤمنون لينفروا كافة , فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة , ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) . .

ولقد وردت روايات متعددة في تفسير هذه الآية , وتحديد الفرقة التي تتفقه في الدين وتنذر قومها إذا رجعت إليهم. .

والذي يستقيم عندنا في تفسير الآية:

أن المؤمنين لا ينفرون كافة. ولكن تنفر من كل فرقة منهم طائفة - على التناوب بين من ينفرون ومن يبقون - لتتفقه هذه الطائفة في الدين بالنفير والخروج والجهاد والحركة بهذه العقيدة ; وتنذر الباقين من قومها إذا رجعت إليهم , بما رأته وما فقهته من هذا الدين في أثناء الجهاد والحركة. .

والوجه في هذا الذي ذهبنا إليه - وله أصل من تأويل ابن عباس - رضي اللّه عنهما - ومن تفسير الحسن البصري , واختيار ابن جرير , وقول لابن كثير - أن هذا الدين منهج حركي , لا يفقهه إلا من يتحرك به ; فالذين يخرجون للجهاد به هم أولى الناس بفقهه ; بما يتكشف لهم من أسراره ومعانيه ; وبما يتجلى لهم من آياته وتطبيقاته العملية في أثناء الحركة به. أما الذين يقعدون فهم الذين يحتاجون أن يتلقوا ممن تحركوا ,لأنهم لم يشاهدوا ما شاهد الذين خرجوا ; ولا فقهوا فقههم ; ولا وصلوا من أسرار هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت