الصفحة 26 من 29

فهذا هو أخص مدلولات الشرك في نظر الإسلام. . وبهذا وذلك تقوم الجاهلية نظاما في الأرض ; وتعتمد على ركائز من ضلال التصور بقدر ما تعتمد على ركائز من القوة المادية.

وصياغة أحكام الفقه لا تواجه هذه الجاهلية - إذن - بوسائل مكافئة. إنما الذي يواجهها دعوة إلى الدخول في الإسلام مرة أخرى ; وحركة تواجه الجاهلية بكل ركائزها ; ثم يكون ما يكون من شأن كل دعوة للإسلام في وجه الجاهلية. ثم يحكم الله بين من يسلمون لله وبين قومهم بالحق. . وعندئذ فقط يجيء دور أحكام الفقه , التي تنشأ نشأة طبيعية في هذا الوسط الواقعي الحي , وتواجه حاجات الحياة الواقعية المتجددةفي هذا المجتمع الوليد , وفق حجم هذه الحاجات يومئذ وشكلها وملابساتها , وهي أمور كلها في ضمير الغيب - كما أسلفنا - ولا يمكن التكهن بها سلفا , ولا يمكن الاشتغال بها من اليوم على سبيل الجد المناسب لطبيعة هذا الدين!

إن هذا لا يعني - بحال - أن الأحكام الشرعية المنصوص عليها في الكتاب والسنة ليست قائمة الآن فعلا من الوجهة الشرعية. ولكنه يعني فقط أن المجتمع الذي شرعت هذه الأحكام له , والذي لا تطبق هذه الأحكام إلا فيه - بل الذي لا تعيش هذه الأحكام إلا به - ليس قائما الآن فعلا. ومن ثم يصبح وجودها الفعلي معلقا بقيام ذلك المجتمع. . ويبقى الالتزام بها قائما في عنق كل من يسلم من ذلك المجتمع الجاهلي ويتحرك في وجه الجاهلية لإقامة النظام الإسلامي ; ويتعرض لما يتعرض له من يتحرك بهذا الدين في وجه الجاهلية وطواغيتها المتألهة وجماهيرها الخاضعة للطواغيت الراضية بالشرك في الربوبية. .

إن إدراك طبيعة النشأة الإسلامية على هذا النحو الذي لا يتغير , كلما قامت الجاهلية وقامت في وجهها محاولة إسلامية. .

هو نقطة البدء في العمل الحقيقي البناء لإعادة هذا الدين إلى الوجود الفعلي , بعد أن انقطع هذا الوجود منذ أن حلت شرائع البشر محل شريعة الله في خلال القرنين الأخيرين ; وخلا وجه الأرض من الوجود الحقيقي للإسلام ; وإن بقيت المآذن والمساجد , والأدعية والشعائر ; تخدر مشاعر الباقين علي الولاء العاطفي الغامض لهذا الدين ; وتوهمهم أنه لا يزال بخير ; وهو يمحى من الوجود محوا!

إن المجتمع المسلم وجد قبل أن توجد الشعائر , وقبل أن توجد المساجد. .

وجد من يوم أن قيل للناس: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره , فعبدوه. ولم تكن عبادتهم له ممثلة في الشعائر , فالشعائر لم تكن بعد قد فرضت. إنما كانت عبادتهم له ممثلة في الدينونة له وحده - من ناحية المبدأ فلم تكن بعد قد نزلت شرائع! - وحين أصبح لهؤلاء الذين قرروا الدينونة لله وحده سلطان مادي في الأرض تنزلت الشرائع ; وحين واجهوا الحاجات الحقيقية لحياتهم هم استنبطت بقية أحكام الفقه , إلى جانب ما ورد بنصه في الكتاب والسنة. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت