الصفحة 162 من 200

بحضرته ابتداء، وقد جمع من المماليك الترك ما لم يجتمع مثله لغيره من أهل بيته حتى كان أكثر أمراء عسكره منهم، وهم معروفون بالخشونة والبأس والفظاظة والاستهانة بكل أمر، فلما كان يوم العيد صعد إليه الشيخ وهو يعرض الجند ويُظهر ملكه وسطوته والأمراء يقبلون الأرض بين يديه: فناداه الشيخ بأعلى صوته ليسمع هذا الملأ العظيم: يا أيوب ! ثم أمره بإبطال منكر انتهى إلى عمله في حانة تباع فيها الخمر ، فرسم السلطان لوقته بإبطال الحانة واعتذر إليه فحدثني الباجي قال: سألت الشيخ بعد رجوعه من القلعة وقد شاع الخبر فقلت: يا سيدي ، كيف كانت الحال ؟ قال يا بني ، رأيته في تلك العظمة فخشيت على نفسه أن يدخلها الغرور فتبطره فكان ما باديته به ، قلت: أما خفته ؟ قال: يا بني ، استحضرت هيبة الله تعالى فكان السلطان أمامي كالقط ولو أن حاجة من الدنيا في نفسي لرأيته الدنيا كلها، بيد أني نظرت بالآخرة فامتدت عيني فيه إلى غير المنظور للناس ، فلا عظمة ولا سلطان ولا بقاء ولا دنيا ، بل هو لاشيء في صورة شيء . نحن يا ولدي مع هؤلاء كالمعنى الذي يصحح معنى آخر، فإذا أمرناهم فالذي يأمرهم فينا هو الشرع لا الإنسان وهم قوم يرون لأنفسهم الحق في إسكان الكلمة الصحيحة أو طمْسها أو تحريفها ، فما بد أن يقابلوا من العلماء والصالحين بمن يرون لأنفسهم الحق في إنطاق هذه الكلمة وبيانها وتوضيحها، فإذا كان ذلك فههنا المعنى بإزاء المعنى ، فلا خوف ولا مبالاة ، ولا شأن للحياة والموت .1_175

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت