فهرس الكتاب
كثيرًا ما تكون للخير طبيعة الزهرة الفواحة عندما تنفح العطر ، وتثير المحبة ، إن الإنسان الصالح المستقيم له إشعاع ينم عنه ويعلّق الآخرين به ! بيد أن أحوال الدنيا وخلائق الناس لا تنظمها هذه الأحكام السريعة ، ولا تتمشى مع سنن الفطرة على هذا النحو اليسير . من السهل أن تمتد يد لقطف الزهرة ورميها تحت الأقدام . من السهل أن يصنع البعض حولها دخانًا يزكم الأنوف أو يحجب الرؤية . إن ذنب ابن آدم القتيل أنه كان رجلًا صالحًا . والفاسدون يرون الصلاح تحديًا لهم ، ويرون التقوى مُشعلة لغضبهم . وفي صدر التاريخ البشري قُتل أنبياء دون جريرة، وعجزت رسالات سماوية عن المضيّ في طريقها لأن الخاطئين اعترضوها ،1_207
وسُرِقت شعوب متنامية الأعداد ، فاختفت وراء الشمس لأن الأقوياء شاءوا ذلك ! ألم تبق مصر والشام وغيرهما في حوزة الرومان قرونًا عددًا ، لأن السلاح الأقوى فرض نفسه وأملى إرادته ؟ إن الحق كي يستديم وجوده ويحمي ذاته لا بدّ له من قوتين: إحداهما عقلية تبسط حجته وتنفي عنه تهمة الشراسة والعدوان . والأخرى مادية ترد الهجوم وتؤدب الذين . يعيشون على القضم والهضم . لا يكفي أن يكون الحق وسيما يستحق الإعجاب ، ينبغي أن يكون كذلك دارعًا يتحمل العراك وينجو من غوائل الخاطفين والقاطعين .. ويشاء الله أن تكون القوة العقلية للحق أسبق وأبرز لتثبت جدارته بالحياة . ولا بأس في هذه المرحلة أن يتحمل ضربات الجهال، وأن يقع تحت وطأتهم ، وقد تختنق أنفاسه فترات يتعرض فيها للموت . ليكن ، عليه أن يصابر ويقاوم حتى يتأذن الله بالفرج.. كنت أشعر بهذه المعاني وأنا أتلو الآيات المقارنة لنزول الوحي واستقبال متاعب الدعوة . كان النبيّ عليه الصلاة والسلام يحسُّ أنه أمام عبء فادح،1_208