الصفحة 75 من 200

وتوغل في أعماقنا ، وحين ظن أنه حسم المعركة لمصلحته شرع في إضعاف العقائد والأخلاق على مكث ، وأخذ يحرج اللغة العربية ويدحرجها من مكانتها التقليدية ، وقرر محو الشريعة في ميادين المال والعرض والدم ، وأنشأ تقاليد أخرى تغاير التقاليد القائمة على حقائق الإيمان وفضائله وثماره ، ولكي يضمن القضاء على معالم الإسلام ومحو شخصيته المادية والمعنوية جعل القومية مكان العقيدة وأقام بينهما فواصل ثابتة ، فالجنسية أولًا ، والدين ـ إذا كان لابد منه ثانيًا ، وأمر بدراسة التاريخ على أساس هذا الفصل ، وبإقامة العلاقات الدولية على ذلك المهاد.. وقد استغل الخلل الرهيب في الخلافة الإسلامية الكبرى ، واستطاع الإجهاز عليها ، وقبل دولًا قوميّة متفاوتة الولاء للدين ، ثم أوعز إلى زبانيته أن تتم بقية الخطة في مطاردة الإسلام تحت أي عَلَم ، أو مع أية جنسية تحتضنه فذوى الفكر الديني واضمحلت أجهزته ، وقادته أشباح خفيفة الوزن ، وتهيأت الأمور للخلاص منه أبدًا... أليس هذا الغزو الثقافي أنكى من الغزو العسكري ؟ إنه غزو بادي النجاح فهو بدل أن يقتل خصمه يغريه بالانتحار !! ثم يجيء نفر من الدكاترة المتحدثين في الفلسفة والأدب والتاريخ فيقولون: الغزو الثقافي شبح يتخيله الواهمون ! أو هو تلاقح فكري لا بأس به. أو هو حق الحضارة الغالبة في فرض نفسها.1_086

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت